حنـــــــــــان بنـــــــــــاصر
Escucha, hermano, la canción de la alegría; el canto alegre del que espera un nuevo día. VEN, CANTA, SUENA CANTANDO, VIVE SOÑANDO EL NUEVO SOL EN QUE LOS HOMBRES VOLVERAN A SER HERMANOS.

انكفاء الدبلوماسية المغربية اتجاه المحيط العربي: حقيقة أم ادعاء؟

 
باحثة في العلاقات الدولية جامعة محمد الخامس- أإكدال 
hananee_78@yahoo.fr 
 
أثار الحكم الجديد للملك محمد السادس التساؤل حول الثابت والمتغير في السياسة الخارجية للمغرب، خاصة حول علاقته وسياسته الخارجية تجاه المحيط العربي، فالباحث غالبا ما يرتسم أمامه سؤال يتعلق بمدى وجود خط ثابت موجه لسياسة المغرب العربية؟
فهل صحيح أن هناك تراجع وتخلي عن التفاعل مع المحيط العربي كثابت في السياسة الخارجية كما كان عليه الحال في عهد الملك الراحل؟ أم أن الإشكال في المتغيرات الدولية، وبالتالي فالتغير في السياسة الخارجة المغربية ليس تغيرا في الثوابت والمحددات بقدر ما هو تغير على مستوى القدرة على تفعيل هذه المحددات وتوظيفها بشكل يحقق مصالح المغرب.
واذا كانت الظروف الدولية لعقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي قد سمحت للمغرب بأن يوفق في علاقاته العربية بين ضرورات الالتزام القومي العربي ومتطلبات النظام الدولي ومصالحه في المنطقة، ومن ثم تحقيق فضاء عربي تعويضي مساند، فان الظروف الدولية الجديدة منذ التسعينات وخاصة بعد أحداث 11 شتنبر 2001، لم تعد تسمح له بذلك، فشروع الولايات المتحدة بشكل مباشر في اعادة صياغة المنطقة وفق مصالحها قد أثرت كثيرا على علاقات المغرب مع الدول العربية، ولم تعد تمكنه من ذلك الدعم التقليدي الذي ميز علاقاته بها في العقود الماضية. فالوضع في العراق والضغوط التي تمارس على سوريا ولبنان واستمرار التعنت الاسرائيلي بدعم من الولايات المتحدة، كلها أمور فرضت على المغرب مواءمة علاقاته بها بما تقتضيه السياسة الامريكية في المنطقة2.
فالمطالب الامريكية بمحاربة الارهاب وادخال اصلاحات ديموقراطية على أنظمة الشرق الاوسط الكبير وشمال افريقيا، واستجابة المغرب لهذه المطالب وسعيه لأن يقدم كنمودج للاصلاح قد أثر بشكل او بآخر على العلاقات المغربية مع بعض الدول العربية الصديقة للمغرب مثل السعودية ومصر، خاصة مع استضافة المغرب لمنتدى المستقبل في دجنبر 2004.
لكن هذا لا يعني ان المغرب تراجع عن التفاعل مع الدول العربية، بل لازال سائرا في إطار الاستراتيجية الكبرى للمغرب الذي يسعى الى اقامة توازن جيوسياسي في منطقة المغرب العربي، وفي نفس الوقت تعويض اللاتوازن بالاتجاه نحو دول المشرق العربي، من خلال سعي الملك محمد السادس الى اللجوء والدفع بقوة في اتجاه تحالف يعتمد على الذات وعلى الأطراف الأخرى في مجموعة العالم الثالث، وخاصة العالم العربي الذي تجمعه معه العديد من الروابط، وهو ما يظهر من خلال التأكيد على التضامن التنموي في خطبه. فالمنظور الملكي مناقض تماما لتك الاطروحات الداعية للعودة إلى عهد أنظمة العزلة الاقتصادية وفلسفة الاكتفاء الذاتي الذي يعتبره قد ولى لتحل محله طموحات التكتل المبني على المصلحة أولا من خلال بلورة فكرة الدبلوماسية العربية المشتركة ذات المصالح المختلفة والتي تنتمي إلى الأسرة المتعددة بدلا من الدبلوماسية التي تغيب الاختلافات الوطنية، فأحسن طريق للوحدة والتكتل هو بداية الانطلاق من الواقع ووضع الاختلافات الوطنية في الحسبان من أجل الوصول إلى وحدة حقيقية على غرار ما يعيشه الاتحاد الأوربي.
فماهي جهود الدبلوماسية المغربية الحالية من أجل تفعيل التعاون العربي؟ وماهي المتغيرات التي عرفتها؟ وما السبب الذي يفسر التكيف السريع للمغرب في ادائه مع أطروحات النظام الدولي لما بعد 11شتنبر2001، وخاصة اطروحة محاربة الارهاب والاصلاحات السياسية في العالم العربي؟ وهو ما يقودنا الى التساؤل حول الدور الذي لعبته هذه المتغيرات في التأثير سلبا أم ايجابا على هذا التفاعل المغربي العربي؟ وأمام التراجع النسبي للتهديد والتنافس العسكري لصالح التنافس الاقتصادي، حيث أصبحت أولوية السياسي والعسكري ثانوية بالمقارنة مع أولوية الاقتصادي، وصارت الشؤون الاقتصادية والتجارية تحتل مكانة الصدارة في سياسة الدول الخارجية، وأصبحت المواجهات اليوم اقتصادية أكثر مما هي عسكرية وأصبحت الدبلوماسية الثنائية والمتعددة الأطراف أداة ردع وتدخل في سياسات الدول، ولذلك نلاحظ اليوم لمعان مصطلح الجيواقتصادي مقابل احتشام مصطلح الجيوسياسي. وهو ما يطرح التساؤل حول العوائق التي تقف أمام تعاون عربي فاعل على المستوى الاقتصادي؟
إن أهم ما يثير انتباه الباحث في مجال السياسة الخارجية للمغرب عموما والعربية خصوصا، أنه يتفا جئ بمجموعة من الكتابات التي تتهم الدبلوماسية المغربية الحالية بالفتور اتجاه المحيط العربي ، وتراجع دورها بعد أن استطاعت خلال العقود الماضية نهج توجه براغماتي متوازن يقوم على الجمع بين تحقيق مطالب التضامن العربي واسترداد حقوق الشعب الفلسطيني، وكذا محاولة لعب دور تحقيق التقارب وتجسير الفجوة بين الجانب العربي والإسرائيلي .
فهل صحيح أن هناك تراجع وتخلي عن التفاعل مع المحيط العربي كثابت في السياسة الخارجية كما كان عليه الحال في عهد الملك الراحل؟ أم أن الإشكال في المتغيرات الدولية، وبالتالي فالتغيير في السياسة الخارجة المغربية ليس تغيرا في الثوابت والمحددات بقدر ما هو تغير على مستوى تفعيل هذه المحددات وتوظيفها بشكل يحقق مصالح المغرب .
فمن غير الممكن تحقق احتمال إلغاء التوجه العربي والإسلامي للسياسة الخارجية المغربية ، فلظاهرة الاستمرارية في السياسة الخارجية المغربية أسباب ترتبط بوجود ثوابت ومحددات رئيسية تتمثل في التاريخ و الجغرافيا والتوجه العربي والإسلامي .

أكد المغرب على توجهه العربي قبل حصوله على الاستقلال بوقت غير قصير، وتأكد ذلك التوجه خاصة في خطاب الملك محمد الخامس في مدينة طنجة عام 1947، كما ثم إقراره في أول دستور للمملكة بعد الاستقلال وفي الدساتير التي تلته، والتي نصت على أن المغرب دولة عربية مسلمة، ويمكن القول أن المغرب حاول على الدوام تعزيز الصورة العربية الإسلامية لسياسته في العالم العربي على الرغم من بعض الصعوبات الراجعة إلى الاختلافات القائمة بين النظام الملكي المغربي والأنظمة الثورية ، حيث كان المغرب متخوفا من المد القومي الكاسح للمنطقة آنذاك ، وهو ما طبع التفاعل المغربي العربي بنوع من الحضور الحذر وهو ما سوف يتحول إلى انخراط تدريجي في المحيط العربي ثم حضور فاعل ومتوازن من خلال احتضان المغرب للعديد من القمم العربية والإسلامية10من أجل العمل على إيجاد المناخ الكفيل بتسوية الأزمات والقضايا العربية11، ورغم أن مبادلات المغرب التجارية هي أساسا مع الغرب وكذلك التعاون الاقتصادي والثقافي، فإن مغرب الستينات كان محتفظا في علاقته الوثيقة مع الغرب بالمسافة الضرورية التي تطبع مواقفه بالاستقلال مع التضامن الضروري12.
ربما هذا الرصيد الحافل للدبلوماسية المغربية العربية على عهد الحسن الثاني ومقارنتها بمثيلتها الحالية هو ما يعطي الانطباع بتراجع وانكفاء هذه الدبلوماسية اتجاه المحيط العربي، وهي مقارنة غير صحيحة من الأساس، نظرا لأن مدة 6 سنوات، وهي ما مضى من حكم الملك محمد السادس، غير كافية لاستعراض الحصيلة والمقارنة خاصة عندما يكون الإبن قد عوض مكان الأب الذي جلس على العرش لمدة 38 سنة13، ورغم ذلك لا يمكن إنكار دور الملك محمد السادس في الدبلوماسية المغربية العربية، وعموما فأهداف الدبلوماسية المغربية التي كانت متوخاة خلال القرن الماضي لا تزال أهدافا ثابتة ولا زال البعد القومي العربي من ركائز الدبلوماسية المغربية الحالية14، وهو ما يمكن استنتاجه من خلال قراءة في خطب الملك محمد السادس منذ اعتلائه عرش المملكة، )المطلب الثاني(، وقبل ذلك من خلال التطرق لحصيلة العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول العربية )المطلب الأول(.
المطلب الأول: العلاقات السياسة والاقتصادية مع الدول العربية.

يربط المغرب مع الدول العربية مجموعة من العلاقات تنبني على محددات عديدة تضمن استمراريتها وتطورها على الرغم مما ينبغي عمله لمزيد من تقويتها وتعزيزها على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي و السياسي والثقافي، في ظل التحول الذي يعرفه النظام الدولي الذي تطبعه عولمة متوحشة وتنافسية شديدة على جميع المستويات، مما يقتضي مزيدا من التعاون لمواجهة المخاطر التي تحدق بالاقتصاد والمجتمع العربي.
فيما يخص دول الخليج العربي، فإن تشابه الأنظمة بين المغرب وأغلب هذه الدول، جعل العلاقات بين رؤساء الدول الخليجية والمغرب خالية من التعقيدات والصعوبات التي تعيق باقي العلاقات الأخرى الاقتصادية على الخصوص، ومما زاد العلاقات السياسية متانة، تطابق وجهات النظر حول القضايا الأساسية التي تعنيهما، وخاصة ما يتعلق بمقاربتهما عل أساس الالتزام بالشرعية وإذكاء الطرق الدبلوماسية المعتمدة على الحوار والتفاوض في حلها، إضافة إلى مساندة دول الخليج مطالب المغرب فيما يتعلق بقضية الصحراء، وفي نفس الاتجاه ساند المغرب دولة الإمارات العربية فيما يخص مطالبها باسترجاع الجزر الثلاث في صراعها مع إيران على هذه الجزر15.
وتجدر الإشارة إلى أنه إذا كانت العلاقات السياسية تتميز بانخراط الطرفين في نفس المنظومة ونفس التصور لإشكاليات وتفاعلات النظام الدولي التي تتسم أكثر من أي وقت مضى بالتعقد وبضرورة التعاون المكثف، فإن هذه العلاقات ما زالت ضعيفة فيما يخض الجوانب التجارية والاقتصادية، وهو ما سوف نتطرق له في القسم الثاني بتفصيل، أما في هذا المطلب فسيتم الاقتصار على ذكر أهم بوادر التعاون الاقتصادي، على ضعفها، لأنها تشكل النواة التي يمكن الانطلاق منها لتحسين مستوى هذا التعاون.
فعلى سبيل المثال العلاقات الاقتصادية بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي أصبحت تتنامى خاصة بعد الصدمة البترولية الأولى، حيث راكمت الدول الخليجية، وأساسا المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ودولة الكويت، إمكانات ضخمة مكنتها من الانفتاح أكثر على محيطها الخارجي ومن بينه المغرب الذي اختار منذ استقلاله سياسة اقتصادية منفتحة ما فتئ يدعمها على ضوء التحولات العالمية، حيث استقبل الاقتصاد المغربي بعض الاستثمارات من دول مجلس التعاون الخليجي خاصة في مجال السياحة والعقار، والتي تقودها المبادرات الخاصة أو المتمثلة في بعض صناديق التنمية التي أحدثت في بعض دول مجلس التعاون الخليجي،16 كما هو الحال في ما يتعلق بدولة الكويت والإمارات العربية المتحدة من خلال صندوق أبو ظبي للتنمية أو الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية والذي يتولى تمويل مشاريع تندرج ضمن البنيات الأساسية لكل إقلاع اقتصادي يتوخى التنمية المستدامة17، كتمويل الطريق السيار سطات، مراكش، ومشاريع أخرى. 18
لكن رغم تنوع مجالات التعاون الاقتصادي بين المغرب ودول المجلس فإن مجال التبادل وخاصة التجاري لا يساير نوع العلاقات السياسة القائمة ولا طموحات الطرفين، لأن حجم التبادل التجاري يتطلب مزيدا من الجهود من أجل تقريب أسواق كل الأطراف، ولا يجب أن تبقى المقاربة مقتصرة على كيفية جلب الاستثمارات الخليجية إلى المغرب، بل لا بد من استكشاف الإمكانيات التي تطرحها الأسواق الخليجية أمام المنتجات المغربية، 19 فالعلاقات التعاونية في المجال الاقتصادي لم تعد اليوم مقتصرة على مجالات محددة بل يجب توسعيها إلى مجالات أخرى تشمل المجتمع والثقافة خاصة في عالم سريع التغير، حيث لم يعد مجديا الاكتفاء بمقاربة أحادية الجانب لأن العلاقات الوجدانية والقومية لم تعد كافية بل لا بد من تركيزها بارتباطات ملموسة يجسدها توسيع القاعدة الاقتصادية المتبادلة بين الأطراف، ولعل ما يؤكد ذلك ضعف التبادل التجاري بين الطرفين، كما أن الاستثمارات تبقى ضعيفة مقارنة مع الاتحاد الأوروبي وتقتصر على بعض القطاعات كالسياحة والعقار.
وهذا ما يمكن استخلاصه من الجدول20 التالي :
السنوات 1999 2000 2001 2002 2003
الدول الصادرات الواردات الصادرات الواردات الصادرات الواردات الصادرات الواردات الصادرات الواردات
البحرين 127-771 441-631 128-631 448-326 126-701 440-603 128-703 413-611 127-813 415-612
المملكة العربية السعودية 676 3433 637 6088 709 5854 513 6795 425 5995
الإمارات العربية المتحدة 55 225 82 206 64 213 77 230 67 709
الكويت 21 133 40 102 30 60 22 123 26 93
سلطنة عمان 28 2 14 0 7 3 22 4 6 10
قطر 2 37 4 3 20 4 70 6 82

من خلال ملاحظة الجدول يظهر لنا بشكل جلي أن التبادل التجاري بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي يتفاوت من دولة لأخرى، حيث نجد السعودية تأتي على رأس الدول في المبادلات التجارية مع المغرب متبوعة بالإمارات العربية والكويت في حين نجد باقي الدول جد ضعيفة. كما نلاحظ أن العلاقات التجارية للمغرب مع هذه الدول تبقى الواردات أهم بكثير من الصادرات المقتصرة على الفوسفاط.
أما في يتعلق بالعلاقة مع مصر، فالعلاقة التجارية والاقتصادية والجمركية بين المغرب ومصر ليست حديثة العهد، إذ أن التعامل التجاري بينهما يرجع لعصور قديمة كما تحدثنا بذلك الكتب التاريخية. إلا أن هذه العلاقة ازدادت متانة خلال العشر سنوات الأخيرة من هذا القرن.
فقد تميزت هذه العلاقة باللجنة العليا المشتركة، التي تكونت برئاسة قائدي البلدين، حيث يترأس هذه اللجنة العليا كل من قائدي البلدين، وقد تناولت خلال الدورتين ماي 97 و ماي 98 قضايا متعددة، وأعطت دفعة جديدة للعلاقات المغربية المصرية، خصوصا التجارية منها والاقتصادية بحكم أن التوجه الدولي الحالي يطبعه هذا النوع من العلاقات والمعاملات وقد أسفرت اجتماعات اللجنة عن نتائج إيجابية في دورتها الثانية حيث تم التوقيع على اتفاقية لإنشاء منطقة للتبادل الحر بين المغرب ومصر21، وستساهم هذه الاتفاقية في رفع حجم التبادل التجاري والاستثمار بين البلدين.
ولعل أهمية هذه الاتفاقية تتجلى في الشق الثاني منها المتعلق بالاستثمارات المشتركة، والذي تم التوقيع بخصوصه على اتفاقية ضمان وحماية الاستثمار من طرف الدولتين، والتي صدر بشأنها الظهير الشريف المؤرخ في 10 ربيع الآخر 1419 الموافق 4 أغسطس 1998، الذي قضى بنشر هذه الاتفاقية التي سبق التوقيع عليها بالرباط في 7 محرم 1418 الموافق 14 ماي 1997 بين حكومة المملكة المغربية وحكومة جمهورية مصر العربية، ومن شأنها أن تسهم في نمو العلاقات التجارية والاقتصادية.
كما أن الموقع الجغرافي للمغرب ومصر يلعب دورا هاما في تطوير هذه العلاقات، فالمغرب يطل على الغرب الإفريقي، ومصر تطل على الشرق الإفريقي، وكل من البلدين له تطلعات لدخول السوق الإفريقية وغزوها بصناعات مشتركة، أو بمواد ومنتجات مشتركة من الجانبين الغربي والشرقي. وللوصول إلى هذا الهدف لابد من المساعدة الثنائية والاستثمارات المشتركة بين البلدين. وتعتبر هذه الاتفاقية نموذجا للإتفاقيات التي سبق أن وقعت من طرف المغرب ومصر مع دول عربية أخرى كاتفاقية المغرب مع تونس والأردن. ويمكن أن تفتح هذه الاتفاقية المجال لإقامة سوق عربية مشتركة صغيرة تضم مجموعة من الدول التي لها الإمكانيات لدخول هذه السوق في انتظار أن تلتحق بها دول عربية أخرى. ومن مميزات هذه الاتفاقية كذلك مساهمتها في غزو المنتجات العربية للأسواق العربية بتخفيضات جمركية، واستفادة المستهلك العربي من هذه المواد قبل دخول اتفاقية الغات حيز التطبيق بالنسبة للدول التي لها فترة سماح. كما أن هذه الاتفاقية تدخل أيضا في الاستراتيجية العامة للبلدين، باعتبار أن التوجه المقبل في العلاقات العربية هي السوق العربية المشتركة التي أصبحت ضرورة ملحة.
كما أن اتفاقية الغات تنص على أن كل اتفاقية ثنائية ستفرض على البلدين الموقعين منح نفس الامتيازات لدول ثانية من باقي دول العالم، في حين لو كانت هناك سوق عربية مشتركة وكانت هناك اتفاقية عربية مشتركة فإن الأفضلية ستكون من نصيب المنطقة العربية وبالتالي سيبقى التعاون عربيا مما يؤدي إلى تمتين العلاقات التجارية والاقتصادية على المستوى العربي.
أما التعاون الجمركي بين المملكة المغربية والجمهورية العربية المصرية فقد تعزز هو الآخر بتوقيع اتفاقية التبادل الحر بينهما، والتي تعتبر رائدة في مجال الاتفاقيات والمعاهدات التعريفية والتجارية، والتي تم التوقيع عليها بتاريخ 27 مايو 1998 وعلى البروتوكول الملحق بها والخاص بقواعد المنشأ، والتي دخلت حيز التنفيذ طبقا للمادة 24 من تاريخ تبادل الإخطار بتمام الإجراءات الدستورية في كلى البلدين أي ابتداء من 29 أبريل 1999. وقد حلت هذه الاتفاقية محل الاتفاقية التجارية والتعريفية، التي كانت قد وقعت بين البلدين بتاريخ 30 مايو 1988 والبروتوكول الإضافي الموقع في 6 شتنبر 1995ومن المزايا التي جاءت بها هذه الاتفاقية الجديدة أنها فتحت المجال للبلدين للقيام تدريجيا بإنشاء منطقة للتبادل الحر بينهما خلال فترة انتقالية مدتها 12 سنة كحد أقصى ابتداء من تاريخ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ22. واوضح وزير الخارجية المغربي ان هناك جهد بذل وأعطى بالفعل نتائجه باستكمال البناء القانوني للتعاون الثنائي من جميع جوانبه‏ ولكن القطاع الخاص في البلدين مازالت مبادرته ضعيفة، فعليه أن يساير مستوى العلاقات السياسية المصرية المغربية وأن يبادر باتخاذ خطوات إضافية مهمة في المجال الاقتصادي23. فحجم التبادل التجاري بين المغرب ومصر انتقل من 39ر304 مليون درهم سنة 1999 الى حوالي 800 مليون درهم خلال السبعة أشهر الأولى من سنة 2003 معتبرا أنه على الرغم من هذا التطور فإن هذه الحصيلة تبقى دون طموحات المسؤولين في البلدين. 24
وفي ما يخص دول المغرب العربي، لا تزال وحدة المغرب العربي تقدم في الخطاب الرسمي في كل من الرباط والجزائر على انها خيار استراتيجي أساسي لمستقبل البلدين. واضطرت التطورات الجديدة وزارة الخارجية الليبية الى الإعلان ان قمة الاتحاد التي كانت مقررة الأربعاء الماضي في طرابلس قد تأجلت لأجل غير مسمي. وقال بيان للوزارة بعد المشاورات والاتصالات التي جرت بين وزراء الخارجية: "ثم تأجيل القمة حتى يتمكن رئيس مجلس الاتحاد معمر القذافي من تهيئة المناخ الملائم لانعقاده في وقت اخر". وكانت مصادر من المشاركين في اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد قد كشفت في طرابلس ان القمة تأجلت لأجل غير مسمى بسبب خلافات بين المغرب والجزائر.
وتتسبب الجزائر مرة اخرى في انهيار أول قمة لرؤساء دول شمال إفريقيا منذ 1994 نتيجة تعنتها واستمرارها في دعم الانفصاليين.
رغم أن الدول المغاربية الخمس إن هي اندمجت وفق منظور متكامل قد لا تحتاج للخارج إلا في بعض المنتجات الخاصة والخاصة جدا. فالحمضيات المغربية والسمك الموريتاني والنفط الجزائري والليبي والسياحة التونسية كلها مؤشرات متوفرة لتحقيق شراكة إقليمية وفرص تجارية لتبادل المنافع والخدمات.
وقد تكون هذه البداية لدخول دول أخرى إلى الاتحاد ربما تكون مصر أولاها. ولعل المستفيد الأكبر من الوضع الحالي هو السوق الأوروبية، إذ المبادلات التجارية للدول الخمس الأعضاء تشير إلى أن 78% من صادرات تونس توجه إلى الاتحاد الأوروبي الذي يزودها بنحو 72% من وارداتها.
أما المغرب فتستحوذ أوروبا على 60% من مبادلاته التجارية, وتذهب 62% من صادرات الجزائر إلى دول الاتحاد مقابل 58% من وارداتها, أما موريتانيا فيغطي الاتحاد الأوروبي أكثر من نصف وارداتها. هذا الواقع الاقتصادي المغاربي المختل, يفوت برأي الكثير من الخبراء على الدول العديد من الفرص الإنمائية, حيث تفيد بعض الدراسات بأن الدول الخمس الأعضاء بعد 17 سنة من توقيع الاتحاد المغاربي وتجميد هياكله, تهدر سنويا ما قيمته 2% من الناتج القومي المحلي جراء تعطل مسيرة الاتحاد، في حين أن ضعف التجارة البينية بين الدول الأعضاء التي لا تتجاوز 5% من مجموع المبادلات الخارجية لكل بلد من البلدان الخمس، يجعل من المنطقة سوقا واعدة بقدرة استهلاكية تقدر بنحو 100 مليون نسمة لكنها مع ذلك تبقى قابلة للاختراق. وما التنافس الأوروبي الأميركي في حوض المتوسط إلا صورة مصغرة لهذا الوضع.25
إن الواقع الاقتصادي في وضعه الراهن يلزم الدول المغاربية اعتماد الواقعية الاقتصادية من حيث هي أداة لتفعيل شرط النمو الاقتصادي وفق معدلات جديدة للتنمية وفق قاعدة الانتقال من الدفاع عن المصالح القطرية إلى المصالح الإقليمية.
المطلب الثاني: قراءة في الخطب الملكية من 1999 إلى 2005.
رغم أن أطروحة اعتبار السياسة الخارجية بمثابة المجال المحفوظ للملك لا تجد أي سند دستوري أو قانوني26، حيث تبقى هذه الأطروحة قاصرة سواء على مستوى المنهج المتبع أو النص القانوني المعتمد كأرضية للتحليل، فالمنهج القانوني لا يكفى للإحاطة بكل جوانب الظاهرة السياسة، كما أن النص المعتمد كمنطلق للفرضية المذكورة لا يكفى، فهناك نصوص أخرى تتطرق لفاعلين في السياسة الخارجة المغربية، 27 ونصوص في دور الملك في صنع السياسة الخارجية ومساهمة باقي المؤسسات السياسية والتشريعية في صنع هذه السياسة وإن كان بشكل محدود، إلا أنه يبقى حاضرا، 28 فمن غير المعقول تغييب مرسوم 20 يناير 1995 المتعلق باختصاصات وزير الشؤون الخارجية وتنظيم وزارة الشؤون الخارجة والتعاون29، كما لا يمكن التغاضي عن دور الوزير الأول خاصة في ظل حكومة التناوب، وهو ما يظهر واضحا من خلال تصريح السياسة العامة للحكومة، حيث احتلت السياسة الخارجية مكانة مهمة في هذا التصريح من خلال التأكيد على مكانة المغرب في عالم مليء بالمتغيرات، كما تتضمن 7 فقرات من 88 إلى 94 تهتم بالسياسة الخارجة للبلاد والعمل على تطوير التعاون العربي الإسلامي وإعطاء اتحاد المغرب العربي أولوية في هذه السياسة30.
وبالرغم من كل هذه المعطيات يبقى للملك دور مركزي ومحدد، تكرسه اعتبارات مرتبطة بالأعراف والممارسات الدولية31، حيث يشكل الملك وحدة صنع القرار الرئيسية بينما باقي الفاعلين يشكلون وحدة ثانوية أو هامشية32، فالدور الذي يلعبه الملك في وضع السياسة الخارجية للمغرب أهم بكثير مما تتضمنه نصوص القانون العام المغربي، وإذا ما تم التركيز على تحليل هذه النصوص ستبقى الاستنتاجات التي يمكن التوصل إليها جزئية، فسلط وامتيازات رئيس الدولة في السياسة الخارجية تدخل في خانة ما يعرف بالاختصاصات الخاصة بالملك، فالتحكم الخاص للملك في السياسة الخارجة والدفاع والأمن الوطني لا يوجد في أي نص من القانون العام، بل هو نتيجة للجدل القائم منذ الاستقلال مع الحركة الوطنية حول الممارسة الفعلية للسلط.33
ومن خلال الاطلاع على الإنتاج الخطابي لدى الملك محمد السادس لإستخلاص المنظور الملكي للتفاعل المغربي العربي ومكانته، نصل إلى حقيقة ثابتة وهي أن الشعب المغربي لن يكون الا جزءا لا يتجزأ من الأمة العربية، ومن غير المنطقي التغاضي عن روابط المصير المشرك والرصيد التاريخي والإشعاع الروحي للمغرب. والعالم العربي بالنسبة للمملكة هو محيطها الأدنى في محيطها الأقصى34، حيث يؤكد الملك محمد السادس على ضرورة هذا التفاعل بقوله: " سنظل من جانبنا أوفياء لهذا الإرث النبيل اقتناعا منا بأنه لامندوحة لمجموعتنا العربية عن التعاون والتكامل فيما بينها إن أرادت ترسيخ قدمها في عالم تكتسح فيه العولمة كل المجالات"35، وهو ما يؤكد تميز النظام العربي عن باقي الأنظمة الدولية المعاصرة باشتراك جميع دوله وشعوبه برابطة قوية هي القومية العربية التي تربط بين الأغلبية من سكان المنطقة العربية36، لهذا فالملك محمد السادس ما فتئ يدعو إلى تقوية أواصر الوئام والتضامن والوساطة من أجل حل أي خلاف، كما لا يترك أي فرصة، سواء في خطبه أو استجواباته، إلا ويصرح خلالها بضرورة تقديم السند والدعم للقضية الفلسطينية إضافة إلى دعوته المستمرة إلى تمتين روابط التعاون في المجال الاقتصادي37، وهو الطريق إلى " العناية بمشاكل أشقائنا العرب والتجاوب مع همومهم، وما نرمي له جميعا من مصالحة والتئام وتعاون في تجاوز سلبيات الواقع والنظر بعيدا إلى المستقبل"38، ودائما يؤكد الملك محمد السادس أن بلوغ هذا الهدف ليس بالمستحيل حيث أكد على التضامن التنموي الذي يتطلب كل الطاقات من خلال "الأخذ بالآليات التي أثبتت فعاليتها في بناء اتحادات قوية وذلك بمساهمة الجهات الأكثر تقدما في تأهيل الأقل نماءا وتطويرها، وصولا إلى إيجاد التجانس والتوازن بين كل أعضائها"39. وايضا العمل على الانفتاح على باقي الفاعلين في المجتمع المدني من اجل عمل عربي مشترك فاعل حيث يقول في خطابه امام قمة شرم الشيخ 2003:" إن العمل العربي المشترك يحتاج الى المنهجية العقلانية، التي لا توفرها الآليات الحالية، وهذا ما يتطلب مراجعة عميقة لميثاق جامعة الدول العربية ولمؤسساتها، كما يتعين عدم الاقتصار على التعاون الحكومي، بل الانفتاح على المؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية والنقابات المهنية والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص".
ومن خلال استقراء الخطب الملكية نصل إلى أن البعد العربي لازال ثابتا من ثوابت الدبلوماسية المغربية، وان المغرب لازال حريصا على التفاعل مع محيطه العربي بكل ما يحبل به من إشكالات وقضايا، وأن الملك محمد السادس، كما والده الملك الراحل الحسن الثاني، حافظ على موقفه المعتدل والواقعي القائم على التوفيق بين ضمان حق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة وبين تحقيق الأمن والسلام وهو الموقف الذي يتبناه المغرب في كل خطاباته الرسمية. فكيف يتم تدبير القضايا السياسة العربية والتعاطي معها في المرحلة الحالية
.

(2) تعليقات

المغرب ودعم مسلسل الإصلاح في العالم العربي.

 
 
حنان بناصر
hananee_78@yahoo.fr
عاشت المجتمعات العربية عقودا طوالاً ساد فيها الركود السياسي، وجوبهت كل محاولات الإصلاح بقوة الحديد والنار، وكانت دعوات الإصلاح تتهم بالعمالة للعدو، كما ظل الصراع العربي الإسرائيلي يغذي مواقف الرفض والتصدي للإصلاح، 158وذلك لأن أغلب القيادات العربية تتسم بمجموعة من السلبيات أبرزها:

1- التعددية المقيدة حيث يسود النظام السلطوي الذي يعمد إلى اصطناع المعارضة والسماح لبعض الأحزاب بالتشكل ولكن في ظل رقابة صارمة.

2- شخصنة السلطة من خلال سيادة وطغيان العنصر الشخصي في العملية السياسية فالحاكم هو محور الدولة ويستحوذ على السلطة.

3- الاعتماد على القوة العسكرية والدعم الأجنبي لتأمين البقاء في السلطة.

هذه السمات التي التصقت بالقيادات العربية، قد خلقت العديد من الأزمات في ميدان التنمية السياسية للنظم العربية، ومن أهم تلك الأزمات أزمة الديمقراطية وما تثيرها من قضايا المشاركة السياسية وحقوق الإنسان ومشكلة عدم الاندماج أو مشكلة الأقليات وأزمة الشرعية السياسية ذات الارتباط الوثيق بمشكلة الاستقرار السياسي، 159 إضافة إلى المشكلة المرتبطة بالفكر السياسي العربي الذي لم يعرف مخاضا إيديولوجيا مثل الذي عرفته أوروبا في عصر الأنوار والثورات القومية الديمقراطية التي عصمت به، فجعلته ينتقل بالسياسة من أسر اللاهوت والأخلاق إلى سياق العلم والممارسة، ونتيجة لذلك فقد تميزت السياسات الحديثة بالواقعية، أي أنها انطلقت في تعاملها مع الأحداث من الواقع وموازين القوى، على عكس الفكر السياسي العربي، وهو ما أدى إلى ظهور العالم العربي بمظهر العالم المفكك، لا يحافظ على وجوده الهش إلا الاستبداد السياسي المتزايد عنفا، ويجد نفسه أسيرا للمعادلات السياسية المستحلية، إذ أن الإدراك السياسي لحكامه والجزء الأكبر من معارضيهم يبدو مقتصرا على الإدانة الخطابية للمؤامرات الخارجية، ولهذا آلت الحالة العربية إلى التوصيف الذي ورد في تقارير التنمية البشرية لأعوام 2002و2003 و2004، وأمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تحتل العراق، كما أمكن لإسرائيل أن تستفرد بالشعب العربي الفلسطيني.

 وإذا كانت الأزمة العامة في الأقطار العربية تشكل حاجزا ضد تطلعات شعوب المنطقة للإصلاح وتضع المنطقة في عجز عن مواجهة المخاطر والتحديات حاضرا ومستقبلا، فهي أيضا تزيد من مأزق الحكومة في التلاؤم مع استحقاقات مرحلة ما بعد احتلال العراق وتداعياتها والتغيرات الكبيرة في موازين القوى والأوضاع الدولية، حيث أفقدت الأحداث الدولية الحكومات العربية العديد من مصادر شرعيتها فأوضحت مدى ضعف المؤسسات السياسية في الأقطار العربية. 160ليأتي تقرير التنمية البشرية العربية الأخير لسنة 2004 ويميط اللثام عن الوضع الحقيقي والمشهد المؤلم للوضعية العربية من حيث التنمية البشرية، 161وهذه المعطيات الواردة في التقرير هي التي انطلقت منها مبادرة مشروع الشرق الأوسط الكبير، أي أن هناك تدهور كبير في الأوضاع العربية بمختلف مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يدفع إلى ضرورة البدء بإصلاح هذه الأوضاع قبل أن تتفاقم أكثر مما هي عليه الآن، فهذه الأوضاع هي التي تشكل دافعا قويا لنمو الإرهاب والجريمة الدولية والتطرف، مما يتطلب وضع حد لاستشراء هذه الظواهر المقلقة.   بناءا على هذه الحقائق، تنادي المبادرة بضرورة البدء في عملية الإصلاح والتغيير في المنطقة. 162وليس بمقدور أحد الآن أن يشكك في جدية الولايات المتحدة وحلفائها في الإصلاح في العالمين العربي و الاسلامي، وهي إحدى التحولات التي تعرفها الساحة الدولية بعد أحداث 11 شتنبر، ففي سياق الإستراتيجية المعلنة للحرب على الإرهاب، خاضت الولايات المتحدة الحرب في أفغانستان على تنظيم القاعدة عام 2002، ثم قامت في سياق نفس الإستراتيجية بغزو العراق في 2003، ثم أعلنت في 2004 عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث أن الحرب على أفغانستان والعراق كانت حربا على الخطر المباشر للإرهاب أيعلى المنظمات الإسلامية المتطرفة التي عزت إليها واشنطن القيام بأعمال 11شتنبر.   أما مشروع الشرق الأوسط الكبير فيستهدف منع ظهور الإرهاب أو بعبارة أخرى تجفيف منابع الإرهاب أي إيجاد مجتمعات ديمقراطية مزدهرة اقتصاديا ومتفتحة ومتسامحة ثقافيا حتى لا تكون بيئة منتجة للارهاب. 163 

فالخلاصات التي بلورها تقرير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية العربية، والمتمثلة في الخصاص في الحرية والمعرفة وكذلك تدني أوضاع المرأة والتي تفضي إلى وضعية للحرمان تؤدي إلى زيادة التطرف والإرهاب والهجرة غير الشرعية، 164التي تهدد مصالح الدول الأكثر غنى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وبالتالي فليس هناك بديل عن الإصلاح لمعالجةالاختلالات المتعددة التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط الكبير، 165 والمشروع ينطوي على العديد من الدلالات سواء بالنسبة للولايات المتحدة أو للعالم العربي فالمشروع يعد آخر مبادرة في سلسلة من المبادرات الأمريكية166 التي انهالت على المنطقة في أعقاب أحداث 11 شتنبر، والتي بدأها كولن باول بمبادرته المعروفة لترسيخ الديمقراطية في العالم العربي، مرورا بمبادرة " ريشاردهاس"، مدير التخطيط في البيت الأبيض، وإنتهاءا بمبادرة تونس للتجارة الحرة مع الشرق الأوسط، بيد أن المبادرة هذه المرة تبدو أكثر إحكاما وتفصيلا، وتغلفها لهجة جديدة للولايات المتحدة قوامها الجدية والإصرار على إنجاز متطلبات الإصلاح، أما عربيا فتتعدد الدلالات ولا تنحصر في مجرد كون المبادرة صادرة عن الولايات المتحدة مع الأخذ في الحسبان ما تمر به العلاقات العربية الأمريكية من حالة حذر غير مسبوقة، بل أيضا أنها جاءت دون أي إشارة حول دور الأنظمة العربية الرسمية في صياغتها أو على الأقل التشاور حول بنودها وأهدافها، 167 فمشروع الشرق الأوسط الكبير يأتي ليجمع المقترحات السابقة ويعطيها زخما آخر عبر إشراك دول أخرى، فضلا عن إقحام تشكيلة واسعة من الدول تتضمن الدول العربية إضافة إلى باكستان وأفغانستان وإيران وتركيا وإسرائيل، وإذا استثنينا إسرائيل فإن القاسم المشترك بين هذه الأقطار هو انتماؤها للإسلام، وتتمثل أولويات الإصلاح المقترحة من طرف الولايات المتحدة في ثلاثة مجالات أساسية وهي تشجيع الديمقراطية والحكامة الجيدة وبناء مجتمع معرفي وأخيرا توسيع الفرص الاقتصادية. 168

وفور الإعلان عن المبادرة، فإن أغلب الأنظمة العربية رفضت المبادرة ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، بل بادرت دول عديدة في المنطقة إلى إطلاق مبادرات للإصلاح والتغير، وعرض رؤيتها للإصلاح في شبه حمى للمبادرات، وانطلقت سبع مبادرات إصلاحية من عواصم مختلفة. 169لكن لا يمكن لأي إنسان مسؤول أن يرفض الإصلاح والديمقراطية وإصلاح نظم التعليم وغيرها من الإصلاحات الضرورية. 170                            لكن التأكيد على ضرورة الإصلاح والديمقراطية  للواقع العربي لا ينبغي أن يكون مطية للتدخل الأجنبي ولإستراتيجيات قلقة تسعى إلى تجاوز إحباطاتها ومنظورها الأحادي من خلال حلول جاهزة، فبدلا من وصفات انتقائية ينبغي إقرار تفاعل إيجابي عن طريق الحوار المسؤول والبناء بين كافة الأطراف يحمل في ثناياه شراكة من أجل السلم والتنمية والتقدم الاجتماعي. 171وهي الفكرة الأساسية التي تضمنتها الصيغة الجديدة للمشروع خلال قمة مجموعة الثماني للدول الصناعية. 172 إقرارا بأن الإصلاح ينبغي أن ينبع من الداخل ويختلف من بلد إلى بلد باختلاف ظروف دول المنطقة وأن مسعى الإصلاح بالمنطقة هو مسعى طويل الأمد، وأن المقصود هو مشاركة من أجل التقدم، والمشاركة بحكم طبيعتها تقوم على تعاون بين طرفين أو أكثر، 173 من أجل نظام ديمقراطي لأنه هو النظام السياسي الأمثل، حيث صارت الولايات المتحدة تربط سياستها الخارجية ببعض المبادئ التي ينبغي على الدول الأخرى الالتزام بها، ومن هذه المبادئ حماية حقوق الإنسان وتدعيم المؤسسات الديمقراطية وإقرار التعددية السياسية، لكن اعتبار النظام الديمقراطي الشكل النهائي لما يجب أن تكون عليه الحكومة باعتباره النظام السياسي الأفضل ولا يمكن أن يحجب حقيقتين حسب الدكتور عبد الواحد الناصر:

1.   هي أن شرعية أية حكومة أو نظام سياسي ترتبط بتلبية احتياجات المواطنين وحمايتهم من ويلات الحروب والعنف وعدم الاستقرار ونقص المواد الغذائية، والنظم التي تعجز عن تلبيه هذه الاحتياجات الأساسية تفقد شرعيها سواء كانت ديمقراطية أم ديكتاتورية وسواء كانت علمانية أم أصولية. 

2.   هي أن إسباغ الصفة العالمية على النظام الديمقراطي باعتباره النظام الأمثل، هو من قبيل الأمنيات لأنه لا يمكن أن تتحول جميع الأنظمة السياسية التي تحكم العالم إلى أنظمة ديمقراطية، وذلك نظرا لتعددية النظم السياسية واختلافاتها الثقافية والعقائدية، بحيث لا يوجد طباق أو تشابه بين المجتمعات الحديثة، ومن الخطأ الاعتقاد بإمكانية تحقيق إجماع عالمي حول قيم ومبادئ موحدة على النمط الغربي، 174 وحتى على مستوى الدول العربية والإسلامية نفسها هناك تباين ونجدها غير معنية بنفس الدرجة ولا الحدة بالمسألة الديمقراطية والتنمية، فهناك دول عربية ومن بينها المغرب، قطعت أشواطا ملحوظة في بناء دولة الحق والقانون، لكن تبقى معرضة أكثر لمخاطر الخصاص الاجتماعية والاقتصادية، فهي بحاجة أكثر لمزيد من الوسائل للدفع بمسيرة الإصلاح إلى الأمام على عكس دول أخرى تتمتع بقدر من العدالة الاجتماعية ولكنها تخضع لوطأة الحكم الفردي. 175

وبالفعل فالنظام المغربي يتميز بميزة ديمقراطية أساسية، فهو ينبني على نظام التعددية السياسية منذ الاستقلال، وعلى عكس الدول العربية الأخرى، فقد خلف النموذج المغربي نخبة سياسية متوافقة ومتكاملة داخل الحكم والمعارضة مما يسر من عملية الإصلاح الدستوري والديمقراطي، 176وإن كانت هناك جوانب للقصور يحاول المغرب التغلب عليها من خلال دعمه للإصلاح الداخلي واستضافته لمنتدى المستقبل كدليل على رغبته في المضي قدما نحو إصلاح العالم العربي.

 دعم الإصلاح على المستوى الوطني الداخلي.

إن صانعي القرار لا يتحركون في فراغ وإنما يتصرفون داخل إطار من أنماط التفاعل بين مؤثرات داخلية وأخرى خارجية، حيث لا يمكن فهم الكثير من القرارات السياسية الخارجية إذا أغفلت هذه المؤثرات، 177وكان الرئيس كلينتون يكرر دائما أن الولايات المتحدة قوية اقتصاديا وداخليا يعني أن أمريكا قوية خارجيا، ويعني ذلك التركيز على القوة الاقتصادية حتى تكون قوة قادرة على مواجهة التحديات الكبرى خارجيا. 178

يتضح مما سبق أن قوة السياسة الخارجية تستمد من قوة السياسة الداخلية، فالاستقرار السياسي الداخلي يؤدي إلى استقرار السياسة الخارجية وأي طارئ على السياسة الداخلية تتأثر به السياسة الخارجية، حيث أن العلاقة بين السياستين الداخلية والخارجية هي علاقة وطيدة، وكما يقول الأستاذ العربي المساري فإن أحسن سياسة خارجية هي سياسة داخلية حسنة179.

عرف المغرب في هذا الإطار مجموعة من المبادرات شكلت تغييرا كبيرا في كل من الجهد والأسلوب، من خلال توفر عامل القيادة والانفتاح الاستيعابي، حيث أصبح للمغرب ملك قرر أن يكون جديا حول مجموعة من المشاكل التي تواجه البلاد، 180ففي يوم 12 أكتوبر 1999 وفي الدار البيضاء، وأمام رجال السلطة، أعلن الملك محمد السادس عن شعار المفهوم الجديد للسلطة، القائم كما جاء في الخطاب الملكي على صيانة الحريات واحترام حقوق الإنسان والقرب من المواطنين والسهر على الاستقرار و الأمن، وبعد هذا الخطاب بأقل من شهر أقال الملك محمد السادس وزير الداخلية إدريس البصري ثم توالت التغيرات في مناصب الولاة والكتاب العامين بوثيرة لم تكن معهودة.  كما أن مجال حقوق الإنسان أصبح مدار اهتمام خاص من قبل الملك محمد السادس حيث عمل الملك بظهير على تأسيس مؤسسة والي المظالم سنة 2003، وأعاد هيكلة وإصلاح المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وتوسيع استقلاليته خاصة بعض مضي اكثر من عقد على تأسيسه، كما أسس الملك محمد السادس بظهير هيأة الإنصاف والمصالحة، 181ووضع على رأسها مناضلا يساريا ومعتقلا سياسيا سابقا هو إدريس بن زكري وكلف هذه الهيأة أن تضع تقريرها أمامه في ظرف 9 إلى 12 شهرا وان تقوم بطي عادل ومنصف لملف انتهاكات حقوق الإنسان مع مراعاة منطق الدولة ومطالب الجمعيات الحقوقية. 182

كما يسجل للملك محمد السادس إنجاز قانون الأسرة الجديد، فبعد سنوات من الجمود النسبي والقرارات المثيرة للجدل في السياسة الداخلية، لعب الملك محمد السادس دورا أساسيا في إقراره في يناير 2004 في المجلسين، و تدخل في وجهة ملائمة لمطالب المناضلين والمدافعين عن حقوق المرأة. 183 وسعى إلى تحرير المرأة من كل المعوقات التي تمنعها من تقديم مساهمتها بشكل كامل في قيام مجتمع متماسك، لكنه يبقى متنبها فيرى أن "المهم ليس في صياغة قانون الأسرة الجديد بل في أن يتبع ذلك الإجراءات بشكل ملموس على الأرض". 184

كما خضعت مدونة الانتخابات لمراجعة جديدة بمناسبة انتخابات 2002-2003 حيث ثم تخفيض سن التصويت إلى 18 سنة، وثم إلغاء الألوان والاستعاضة عنها بالرموز، كما ثم اعتماد اقتراع اللائحة لأول مرة. 185وقام الملك محمد السادس بزيارات لعدة مناطق لم يزرها الملك الراحل على مدار 38 سنة من حكمه، ودشن مئات المشاريع الاجتماعية واضطر في بعض الأحيان إلى الرجوع إلى بعضها لمتابعة تنفيذها، 186فزار ولايات وعمالات الدار البيضاء- القنيطرة- العرائش- تطوان- شفشاون- الحسيمة- وجدة- تازة- فاس-مكناس. . .  وتعد هذه الزيارات التي يقوم بها بداية عملية لبرنامج الإصلاحات الشامل وخصوصا في مجال التعليم والتشغيل وتأهيل الشباب وتطوير الإدارة، 187إضافة إلى إعادة تدبير الحقل الديني، 188و إجراء العديد من التحولات على مستوى القطاع السمعي البصري. 189كما تم خلق مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لرجال التعليم، وتمت إعادة هيكلة مجموعة من المؤسسات الاجتماعية، وعرف الإنتاج التشريعي خلال هذه الفترة تطورا هائلا كما ونوعا وأهم هذه النصوص: قانون الأسرة وقانون الحريات العامة ومدونة الانتخابات ومدونة الشغل وقانون الإرهاب ومدونة التغطية الصحية، أما في ما يخص المؤسسات فهي أيضا عرفت نموا واضحا على عهد الملك محمد السادس حيث تم تأسيس اكثر من11 هيأة ومؤسسة ومجلس بمبادرة ملكية وهي: مؤسسة محمد الخامس للتضامن، مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لأسرة التعليم, هيأة الإنصاف و المصالحة، اللجنة الاستشارية الملكية لتعديل مدونة الأحوال الشخصية، وكالة تنمية الأقاليم الجنوبية، لجنة إعداد تقرير شامل حول التنمية البشرية في 50 سنة الماضية، إعادة هيكلة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، تجديد الثقة و الاستمرارية في اللجنة الخاصة بالتربية و التكوين. 190وتم الاهتمام اكثر باللامركزية والتي تعطي سلطة أوسع للجهات، حيث مكنت الدينامية الاقتصادية لاقتصاد الجهات كما هو الشان بالنسبة لسوس أو الريف من استقلالية هذه الجهات بالنسبة للمركز، فقد أصبحت اكادير ثاني قطب اقتصادي بعد الدار البيضاء. 191

كل هذا يأتي في إطار التحولات التي يشهدها النظام السياسي المغربي و التي تهدف إلى التكيف مع التحولات الكبرى التي يتداخل فيها ما هو خارجي مع ما هو داخلي، فلا مناص من الإقرار أن التغيرات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي مند أواسط الثمانينات والتي أفضت إلى انهيار القطبية الثنائية، وسياسيا إلى إخفاق الديمقراطية الشعبية وهيمنة نموذج الديمقراطية اللبرالية، إضافة إلى أحداث 11 شتنبر المزلزلة وغزو العراق، كل هذا قد أسهم في إعطاء الأولوية لقضايا كانت محجوبة في ظل صراعات الحرب الباردة وفي مقدمتها مسألة حقوق الإنسان التي أصبحت تكتسي أهمية بالغة اعتبارا للخروقات التي عرفتها في السنوات الماضية أو ما يسمى بسنوات الرصاص في المغرب، وذلك بالنظر إلى بداية تنامي المجتمع المدني بفعل تراجع الدولة نفسها وتوسيع فضاء الحرية. 192

لكن رغم هذه المكتسبات يمكن أن نسجل مجموعة من المنزلقات و المتمثلة في رجوع الأجهزة الأمنية للتعذيب، كما ورد في تقرير امنيستي الأخير، وهو ما أثر على الصورة التي شكلها العهد الجديد عن نفسه طيلة الفترة السابقة، أيضا اعتقال عدد من الصحفيين بتهم بالية ورغم الإفراج عنهم إلا أن اعتقالهم قد أثر على صورة المغرب، هناك أيضا تجاوزات 16 ماي التي جعلت العديد من الملاحظين يصلون الى القول بأن مجهودات الدولة في حقوق الإنسان لا تتعدى الاستثمار السياسي وليس قناعة راسخة، وهذا ربما ما جعل الحكومة تعد نصا على عجل يجرم التعذيب. 193

 أيضا يشكل التخلي عن التناوب التوافقي و إبعاد اليوسفي من على رأس الحكومة وتعويضه بوزير من خارج الأحزاب السياسية إعادة إلى تلك النظرة التي تهدف إلى جعل الأحزاب السياسية في خدمة الملك، ورصد حالة من الانحسار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. 194فإذا سمح العهد الجديد بفتح ملفات الاختلاسات المالية في المرافق والمؤسسات العمومية، فانه لم يتم مبدئيا متابعة المسؤولين ومحاكمتهم، كما أن مظاهر الفساد المالي والرشوة مازالت سائدة.  195

كما يلاحظ بقاء المغرب محافظا على الثوابت المتمثلة في أن القرارات السياسية قي البلاد يتخذها الملك وان المؤسسات الأخرى خاضعة للقرارات الملكية وتعمل على تسويغها مع قيامها ببعض الأدوار الاستشارية أو بعض وظائف تكوين أطر الدولة. 196وهو ما يعزى إلى ميل موازين القوى في النظام للملك على حساب البرلمان وضعف ضمانات نزاهة الانتخابات وعدم فعالية الأحزاب السياسية، و بالتالي فان الفرص و التحديات التي تواجه المغرب كثيرة وتفرض إحداث تغيرات جذرية، فالتغيرات التي عرفها المغرب على الرغم منأهميتها تبقى محدودة قياسيا لما هو مطلوب، 197 خاصة أن المغرب اختار أن يكون نموذجا لإصلاح في إطار العالم العربي، فوجود دولة تلعب دور النموذج للإصلاح والتقدم يمكن أن يكون قاطرة تشد بقية البلدان، كما يمكن أن يثير الرغبة في المنافسة والتفوق، وعلى سبيل المثال لا يمكن فصل التقدم الحاصل في شرق وجنوب آسيا عن الدور الذي لعبته أقطار معينة كنماذج ملهمة للمحاكاة و التنافس مثل اليابان ثم كوريا الجنوبية، من هذا المنظور فان وجود نموذج ناجح للتطور الديمقراطي في العالم العربي يمكن أن يشد معه الأقطار الأخرى. 198

وفي هذا الإطار يأتي حدث استضافة المغرب لمنتدى المستقبل.  

 استضافة منتدى المستقبل.

أطلق الرئيس الأمريكي جورج بوش مبادرة هذا اللقاء المعروف بمنتدى المستقبل، وكتب لمشروعه المتعلق بالشرق الأوسط الكبير أن يترجم على ارض الواقع في المغرب، حيث احتضن أشغاله في 10و11 من دجنبر 2004، وهو ما أثار جدلا كبيرا والعديد من الأصداء و الآراء التي راجت حوله وعلى هامشه، حيث قسم العالمين العربي والإسلامي إلى معسكرين، معسكر مع الحوار مع أمريكا بشرط الاحتفاظ باستقلالية القرار فيما يتعلق بالقيام بالإصلاحات، ومعسكر آخر يرفض جملة وتفصيلا كل تعاون مع أمريكا لان هدفها من هذا المنتدى حسب رأيهم هو الاستيلاء على خيرات ومقدرات الأمة العربية الإسلامية وإسكات أصوات المعارضة داخلها.

  أقيم المنتدى برعاية مغربية أمريكية، بحيث اشرف عليه وزير خارجية أمريكا الأسبق "كولن باول"، وحضره ممثلون عن مجموعة الدول الثمانية وهي الولايات المتحدة و كندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وروسيا. 199

لقد أعطى اللقاء الأول للمنتدى دفعة لعملية الشراكة التعاونية بين مجموعة الدول الصناعية وبين دول الشرق الأوسط الموسع وشمال إفريقيا فيما يتعلق بتحديات الإصلاح، وقد تصدر أهداف اللقاء خلق مناخ ملائم للحوار، كما أكد المشاركون في المنتدى من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عزمهم على إجراء إصلاحات سياسية و اقتصادية و اجتماعية.  وإضافة للوفود الرسمية أدلى ممثلي المجتمع المدني بتصريحات ناقدة وصريحة مثلت نقاطا مهمة.  ويبقى التحدي الرئيسي في كيفية إشراك المنطقة في العولمة والاستفادة منها. 200

كما أكد المنتدى على أهمية توفر الإرادة السياسية لإجراء الإصلاحات في دول الشرق الأوسط الموسع وشمال أفريقيا، كما تم التأكيد على المبادئ التي وضعت في قمة الدول الثمانية في سي ايلاند بالولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بتشجيع الخصوصية المحلية لعملية الاصلاح وعدم فرضها من الخارج وترك الحرية لكل بلد للتقدم حسب أوضاعه الخاصة وحسب وتيرته الخاصة به ومراعاة تنوع الخصوصيات والمتطلبات لمختلف البلدان، والاعتماد في العمل المشترك على البنى الموجودة سلفا في المنطقة مثل مسلسل برشلونة، والعمل على دوام الحوار مع دول المنطقة، كما أكد الحاضرون على أن تسوية النزاع في منطقة الشرق الأوسط لايجب أن تكون شرطا لتحقيق التقدم في عملية الاصلاح، كما اتحدت الآراء على أن إحراز التقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط من شأنه إعطاء التحديث والإصلاح دفعة الى الأمام. 201

 في هذا الإطار أعلن الأمين العام لجامعة الدول العربية عن دعمه للشراكة التي تقترحها مجموعة الدول الثمانية، الا انه شدد على ان ذلك لن يكون ممكنا مالم يكن الشركاء على قدم المساواة، وقال متسائلا:"هل يمكن لهذه الشراكة أن تنجح من دون سلام عادل في الشرق الأوسط ومن دون تحرير العراق من الفوضى والدمار".  كما دعى المشاركين في منتدى المستقبل الى:"سحب الاتهامات الموجهة الى الاسلام كديانة وثقافة. "202

اما في المجال الاقتصادي فقد أعلنت مجموعة الدول الصناعية دعمها لانضمام دول المنطقة المعنية الى منظمة التجارة العالمية، كما اكدت على ضرورة استكمال العمل الإقليمي المشترك ومنه عقد اتفاقات لإنشاء مناطق التبادل الحر على المستوى الإقليمي، وأكد المنتدى على اهمية تطبيق مبادرات قمة سي ايلاند التي قام بعض المشاركين بتحديد تفاصيلها.

وطالب ممثلوا الاقتصاد من حكومات دول الشرق الأوسط الموسع وشمال أفريقيا ب:

-تحقيق السلام كمقوم للنمو.

-إزالة العوائق امام التجارة والاستثمار.

-الاستثمار في تنمية الموارد البشرية وخصوصا في مجالات التعليم التي يوجد فيها نقص في المهارات في سوق العمل. 

-ترسيخ دولة القانون وتفعيل مؤسساتها.

اما ممثلوا المجتمع المدني فقد شاركوا في وضع أساس مهم لعمل منتدى المستقبل وتمثلت مشاركتهم في النقط التالية:

 

أولا- نقاط النقد:

-عدم أخد مقترحات منظمات المجتمع المدني بعين الاعتبار عندما تم الإعداد للقاء في نيويورك. 

-الدول الغربية تكيل بمكيالين فيما يتعلق بحقوق الإنسان في المنطقة.

-غياب إرادة الاصلاح لدى الدول الشرق الأوسط الموسع وشمال إفريقيا بشكل عام.

ثانيا- المطالب:

-تطبيق مبدأ سيادة القانون

-المساواة بين الجنسين

-محاربة الفساد

-عدم استغلال النزاع في الشرق الأوسط للتمسك بالوضع القائم.

-إتاحة إمكانية التواصل المباشر بين حكومات الشرق الأوسط دون اللجوء الى مجموعة الدول الصناعية كوسيط.

-استحداث آلية لمراقبة ما تم انجازه من تقدم في عملية الاصلاح.

كما تم التوصل الى أن منتدى المستقبل يجب أن يستمر كمنتدى بصورته الحالية غير رسمي، مرن، منفتح وشامل، ولا داعي لإحداث مؤسسات جديدة. 203

وهناك من يرى انه لولا التنافس الأوروبي الأمريكي لكانت النتائج أفضل.  حيث عطلت فرنسا إنشاء أمانة دائمة للمنتدى واستبعدت الدعوة للحوار بين الأنظمة ومؤسسات المجتمع المدني وسعت للحصول على إعتراف رمزي بان الجهود الأوروبية ومسار برشلونة سبقت الدعوات الأمريكية لتشجيع الإصلاح بدل الظهور بموقف موحد بالتمسك بمبادرة "الشراكة من اجل التقدم " المتوافق عليها من بين الدول النامية. 204            

 لقد انقسم المجتمع المدني بين معارض ومشارك في منتدى المستقبل وإذا كان البعض اعتبر دلك عنصر ضعف وتشتت, فان البعض الأخر ينظر إلى ذلك باعتباره عنصرا إيجابيا يجسد الديناميكية التي أصبح يتمتع بها من حيث تعدد مجالات الاشتغال وتمايز الموافق واختلاف المقاربات، ومهما قيل فان حضور فعاليات هذا المجتمع كان قويا في أشغال المنتدى سواء من خلال توصيات المجتمع الموازي المنعقد يوم 8 و9 دجنبر والمنعقد بمبادرة من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان والشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان و بحضور منظمات وفعاليات المجتمع المدني في 13 دولة عربية و بمشاركة 9 منظمات دولية. 205

وهناك من يرى ان غياب قطبين في الشرق الأوسط وفي إسرائيل وإيران عن أشغال المنتدى يجعل القرارات مجرد كلام في كلام خاصة وان رئيس المنتدى كولن بأول من الناحية لسياسية لا يمكنه ان يظل مسؤولا عن متابعة تنفيذ توصيات منتدى المستقبل الذي هو برنامج حكومي أمريكي لانه قدم استقالته وأصبح خارج دائرة القرار في ادراة بوش, بالإضافة إلى وجود معارضة عربية تؤكد أن أمريكا لا يمكنها ان تكون أستاذا للعالم العربي والإسلامي في ميدان الديمقراطية والتنمية وهي تدمر حضارة العراق وتبيد شعبه الأعزل، 206 فالديمقراطية الأمريكية الآن وبعد أن أعلنت الحق المطلق للفرد والاحترام الكامل والتام لحرياته وضمان تنميته ورفاهيته هاهي ذي اليوم تشكل تهديدا للوجود الإنساني بإلغائها لكل أشكال التعدد و التمييز الذي تمليه الطبائع البشرية وذلك بغية التشكيل الحضاري القهري وفق إرادة نمطية أحادية تعتمد أسلوب الإكراه والإلحاق الإقليمي والثقافي مدرعة بآفتك أسلحة الدمار الشامل في التاريخ. 207

لكن رغم كل ما يقال بخصوص هذا الموضوع لا يمكن رفض الاصلاح والديمقراطية خاصة مع وضعية العالم العربي والأهم من المصادقة على الاتفاقيات وحضور المنتديات هو إحلال معيار الكفاءة محل معيار الولاء، وإحلال سلطة القانون محل سلطة اجهزة الأمن في تنظيم الحقل العمومي والحياة السياسية والمدنية والإحساس بالواجب والعمل بما يقتضيه هذا الواجب في ما يتعلق بالشؤون العمومية ومناصب المسؤولية، وبعدها لا يهم إذا كان الاصلاح الاقتصادي هو الأسبق أو الاصلاح السياسي، ولا ان شمل الاصلاح السياسي جميع الأفراد دفعة واحدة أم كان تدريجيا وبطيئا. 208 المهم المبادرة بالإصلاح خاصة وأن هذه الوضعية تزيد من حالة التشردم التي تعيشها المنطقة العربية وتعيق فرص التعاون بين الدول العربية والتي اصبحت ضرورة تمليها المتغيرات الدولية.



158–لكحل، سعيد:"الشرق الأوسط الموسع وشمال إفريقيا ، مبادرة للإصلاح  أم  مخطط للهيمنة؟"السياسة الدولية ، العدد 156، أبريل 2004، ص 272.

159–زرنوقة ، صالح سالم:"تجدد القيادة والتنمية في الوطن العربي"، السياسة الدولية،  العدد 156، أبريل 2004، ص272.

160–تركماني، عبد الله:"أسس الحداثة ومعوقاتها في العالم العربي المعاصر"، الجزء الثالث، جريدة القدس العربي، عدد 4872، 25 يناير 2005، ص 17.

161–تقرير التنمية البشرية العربية 2004.

162–العناني ، خليل:"الشرق الأوسط الكبير"، السياسة الدولية، العدد 156، أبريل 2004، ص98.

163–الغزالي حرب، أسامة:"الإصلاح من الداخل؟؟"السياسة الدولية، العدد 156، أبريل 2004، ص6.

164–لمزيد من الاطلاع حول  موضوع الهجرة انظر مقالة للدكتور الحسان بو قنطار.  على موقع الجزيرة

www. aljazeera. net

165–بوقنطار، الحسان:"حول مشروع الشرق الأوسط الكبير ، الاصلاح  القيمي والمؤسساتي والتدبيري، "الاتحاد الاشتراكي، عدد، 7529، 25مارس 2004، ص8.

166–بالإضافة الى المبادرات الأمريكية كانت هناك مشاريع أخرى  للإصلاح ومنها:إعلان برشلونة، الحوار المتوسطي، الشراكة الاورومتوسطية، المشروع الألماني الفرنسي من أجل مستقبل مشترك مع الشرق الأوسط، وأيضا مساهمات عربية كالإعلان الصادر عن قمة تونس وأيضا  وثيقة الإسكندرية، وإعلان المجلس العربي لرجال الاعمال وإعلان صنعاء. . .

167–العناني، خالد:مرجع سابق. ص99.

168–بوقنطار، الحسان :"حول مشروع الشرق الأوسط الكبير"، مرجع سابق.

169–جورج، كيتن:"مشروع الشرق الأوسط الكبير"، الحوار المتمدن ، العدد1064.

www. rezgar. com/debat/shew. art. asp

170–الغزالي، حرب:"الإصلاح من الداخل"، مرجع سابق، ص6,

171–بوقنطار، الحسان:"حول مشروع الشرق الأوسط. . . "، مرجع سابق.

172–انظر البيان الختامي للقمة الجزائرية في الملحق,

173–اسكندر، عبد الله-كريستين:"الشرق الأوسط وأفريقيا في قمة مجموعة الثمانية"، السياسة الدولية، العدد 157، يوليو 2004، ص170و171.

174–الناصر، عبد الواحد:"المتغيرات الدولية الكبرى، متغيرات السياسة الدولية في بداية القرن الحادي والعشرين"، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء، ماي 2004، ص8.

175–بوقنطار ، الحسان:"من مجلس الأمن الى مجموعة الدول الثمانية"، مرجع سابق.

176–زرنوقة، سالم:"تجدد القيادة والتنمية في الوطن العربي"، مركز الدراسات  وبحوث الدول النامية، القاهرة، 2003 ، ص15.

177 –صناعة السياسة الخارجية الأمريكية والقضية الفلسطينية  في عهد الرئيس ريجن ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام،  الحسن الثاني ، 1987، ص236.

178– السياسة الدولية ، عدد117 يوليوز1994 ص 38.

179– العربي،  المسا ري:" المغرب الرسمي يتجاهل أهمية الدور الذي تقوم به تنظيما ت المجتمع المد ني"،  المجلة المغربية،  عدد 92-نونبر 2004ص33- أنضر أيضا نفس الفكرة في المغرب و محيطه.

180- ستا لون رو برت:"  في المعركة من أجل القلوب و العقول "، معهد واشنطن لسياسة الشرق  الأردني،  متابعات سياسية،  رقم 889-2-8-2004 على موقع.  www. asharqalarabi. org. uk/martaz/m-mutahart-a- l. htm    

181- تعرضت الهيأة للعديد من الانتقادات منها أنها هيأة جاءت بطريقة فوقية ولم تنبع من الحركات المعنية،  كما أن الهيأة الحالية جاءت للانصاف والمصالحة فقط دون الحقيقة،  أيضا إن الإطار الذي ينظمها لايستجيب إلى المطالب الحقوقية.  ومع ذلك قبلت الجمعية المغربية لحقوق الانسان مواكبة الهيأة وعملها ولم يكن لديها موقف سلبي منها.  لكن الآن تبيّنت سلبيات كثيرة تجلّت في طريقة متابعة الانتهاكات وفي الانتقاء الذي يشمل عائلات المختطفين والضحايا أنفسهم. .      لقاء جريدة فضاء الحوار مع السيد لحسن خطار الكاتب الاقليمي لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي المغربي إشكاليات و معضلات و التطلع للغد.

http://www. falasteen. com/article. php3?id_article=5200

182-- بوعشرين ، توفيق: "حصيلة ملك " الأيام عدد 145-29 يوليو،  04 غشت200 ص 1.

 

183Wendy Christiansen :" Débat entre femme en terres d’islam".  le monde diplomatique.  avril 2004.  

184- إيناس دال: "خيبة الآمال في المغرب"،  8-10-2004.

185– بوعشرين،  توفيق: "حصيلة ملك "، مرجع سابق ص12.

186- بوعشرين توفيق: مرجع سابق.

187- محمد بن قحطامي،  يوسف:" الملك محمد  السادس و تحديات العصر"،  مرجع سابق ، ص 180-181.

188–المسعودي،  أمينة:"الإطار النمطي لمرتكزات ممارسة الحكم ما يستفيد أي تغيير الصحيفة عدد174-4غشت/7شتنبر2004ص9

Maroc hebdo international :" l’an v de Mohammed VI".  N°616 – Du 30 juillet au 2 septembre 2004 p 4

189– بوعشرين، توفيق: مرجع سابق.

190– بوعشرين،  توفيق: مرجع سابق.

191- بيير فير مورين: "مغرب المرحلة الانتقالية"،  ترجمة على آيت حماد ، منشورات طارق ، الدار البيضاء ، طبعة 2002،  ص6.

192- بو قطار الحسان: ا"لتناوب التوافقي الظرفية و الحصيلة"

www. aljazeera. net

193- بوعشرين توفيق: مرجع سابق.

194–بوز، أحمد:"صورة الحسن الثاني التي لم يغيرها محمد السادس حتى الان"، الصحيفة، عدد174، 4غشت، 7شتنبر2004، ص7.

195--بندورو ، عمر: "عدة مظاهر تجعل العهد الجديد امتدادا للعهد القديم"،  الصحيفة ، مرجع سابق ص8.

196- الساسي،  محمد:"محمد السادس يتبنى الصيرورة المتأخرة لعهد الحسن الثاني في حدوده  المرسومة"،  الصحيفة ، مرجع سابق ، ص11.

197- زرنوقة سالم :" تجدد القيادة و التنمية في الوطن العربي"،  مرجع سابق ، ص 272.

198--الغزالي حرب أسامة : "الإصلاح من الداخل؟؟ "، مرجع سابق، ص6.

199–ا لحنشي،  محمد :"  منتدى المستقبل و طموح التنمية و الديمقراطية "، العلم ، عدد 19945/ 31 دجنبر 2004.

200–نتائج أشغال منتدى المستقبل، الرباط، 11ديسمبر 200             

www. almaniainfo. diplo. de/ar/àé/nahosten/fff/dez

201–انظر البيان الختامي لأشغال المنتدى بالملحق.

202–كلمة عمرو موسى أمام المنتدى، العلم، عدد9921، 13دجنبر2004.

203–البيان الختامي لمنتدى المستقبل.

204–جورج ، كيتن:مرجع سابق.

 

205–الصادقي ، عبد الفتاح:"انقسام المجتمع المدني بين معارض ومشارك في منتدى المستقبل"، العلم، عدد19921، 13دجنبر، 2004.

206–الأسبوع:"منتدى المستقبل لا حظ له في النجاح بعد غياب إيران وإسرائيل"، الجمعة17 دجنبر 2004 ، ص8.

207–القنطري ، محمد:"هل يمكن تصدير الديمقراطية "، العصر، عدد325، 18يونيو 2004، ص18.

208–غليون، برهان:"هل الإصلاح ممكن في البلاد العربية"، العلم، عدد 19753، 22 يونيو 2004.

(10) تعليقات

المتغيرات الهيكلية في العلاقات العربية الامريكية

 
حنان بناصر
hananee_78@yahoo.fr
اقنعت هجمات 11 شتنبر الأمريكيين بضرورة تغيير المنطقة العربية، وتزايد إحساس العرب بالتهديد إزاء ما يرونه استهدافات من الولايات المتحدة للمنطقة العربية منذ هذه الأحداث، في محاولة لتغيير القيم والأوضاع الثقافية والاقتصادية والسياسية في العالم العربي، حيث أن هناك منظومة من التغيرات الهيكلية التي تعتري العلاقات العربية الأمريكية ومن بينها:

أولا: نزوع الولايات المتحدة إلى استخدام تعبير الشرق الأوسط للحديث عن المنطقة العربية عوض تعبير العالم العربي.  

ثانيا: محاولة خلق نوع من التطابق بين ما هو عربي وما هو إسلامي، كمفاهيم استراتيجية فيما يتعلق بالمصالح والتهديدات وإمكانيات العمل ودمج الدول العربية والإسلامية في شرق أوسط كبير يمتد من المغرب إلى اندونيسيا.[1]

ثالثا: اختراق الحدود بالتأثير الأمريكي في مجريات الأمور داخل العالم العربي وليس من خارجه.

رابعا: تغير آليات التغيير الأمريكي المطلوب، بحيث لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تستبعد اللجوء إلى القوة لتغيير النظم السياسية في العالم العربي،[2] حيث ورد في كتاب لـ "هارلان كليفلاند":

«إن لدينا من القوة ما يمكننا من أن نعيد بناء العالم مرة أخرى، فلم يحدث من عهد نوح حتى الآن، موقف مشابه لما هو عليه الحال في الحاضر، وإن ميلاد عالم جديد أصبح الآن بأيدينا."[3]وقبل ذلك هناك تعبير طالما تم ترديده خلال الحرب العالمية الثانية، وهو "لقد بلغت أمريكا سن الرشد" حيث تملك الأمريكيين شعور بالقوة والعظمة، فلقد أنقدوا العالم من هتلر، وفي إطار هذه العملية سوف تنتشر السلطة والسيطرة الأمريكية.[4]ويلتقي كبار الإستراتيجيين الأمريكيين في تحديد أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط نظرا لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية القومية والكونية، وهي التي تملي سياستها في هذه المنطقة، ويمكن اختصار هذه الأهداف كما يلي:

1.   الإلتزام الثابت والدائم تجاه إسرائيل بالمحافظة على أمنها وبقائها وتفوقها، واعتبار حماية أمن إسرائيل هو بمثابة حماية أمن الولايات المتحدة.

2.   وجود أكبر احتياطي للنفط في العالم في هذه المنطقة وبالتالي ضمان استمرار تدفق البترول العربي بأسعار معتدلة ومقبولة مع بقاء فوائض أمواله في نطاق الأمان.

3.   الحفاظ على شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل، لكونه مصلحة قومية     وكون أي نزاع يطال إسرائيل أو النفط أو الاثنين معا، يشكل تهديدا كبيرا لا يمكن تجاهله في منطقة، من منظور جيواستراتيجي، من أكثر المناطق خطورة في العالم.

4.   تحقيق وتثبيت نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة باعتبارها القوة العالمية الأولى.[5]

  وجاء تورط عدد من العرب المسلمين في الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة، ليحدث صدعا في العلاقات العربية مع النظام العالمي وخاصة مع الولايات المتحدة ويوفر الفرصة للحديث عما يسمى بصراع الحضارات،[6]على الأقل في الخطاب السياسي المطروح من الطرفين العربي والأمريكي، واتخذ ذلك عدة أشكال:

        I.      التأثير السلبي على القضية الفلسطينية التي كانت جزءا هاما من منظومة العلاقات العربية الأمريكية بحيث انهار التركيز الأمريكي على خلق نظام ينطوي على السلام والتعاون في المنطقة ليحل محله تحول رئيسي في الموقف الأمريكي من المستوطنات وحق العودة من خلال خطاب الضمانات الذي سلمه بوش لشارون، والسماح له بتجزئة المرحلة الأولى من خارطة الطريق إلى عدة مراحل أدت إلى تأجيل احتمالات تنفيذها من المستقبل المتوسط إلى المستقبل البعيد.

    II.      تآكل العلاقات التقليدية بين الولايات المتحدة وممن يسمون بالمعتدلين العرب كالسعودية ومصر، من خلال تعاون دام ربع قرن لتحقيق أهداف استراتيجية مشتركة في تحقيق السلام وحماية أمن الخليج والحفاظ على استقرار المنطقة. 

 III.      احتدام المواجهة بين منظومة القيم لطرفي العلاقات العربية الأمريكية وخلق صور نمطية سلبية لدى كل طرف عن الطرف الآخر، بحيث أصبحت نظرة الطرف الأمريكي إلى العرب متمثلة في أن العرب بدو يتسمون بالشراسة ولا أمان لهم وبوسعهم الانحدار إلى مستويات وحشية كقطع الرقاب، كما أن عقلية البازار تسيطر عليهم فيغرقون في المساومة على الأشياء التي لا تستحق التفاوض. كما أنهم منافقون يدعون الفضيلة، وهم أثرياء بترول ولكنهم لا يستخدمون ثرواتهم في تنمية بلدانهم، وأن العرب يقبلون على تبرير نسف الآخرين ولا يجدون غضاضة في اللجوء إلى الإرهاب، كما أنهم رجعيون يعيشون على أمجاد الماضي، وعلى الطرف الآخر وقع تشويه لصورة أمريكا عند العرب، الذين ينظرون الآن إلى الطرف الأمريكي على أنه يتعامل مع العالم بعقلية راعي البقر الذي لا يعبأ بالقانون ويسرف في استخدام القوة دون مبرر، وأنه محكوم بنزعة استعمارية تجعل منه امتدادا لتاريخ طويل من النظام الاستعماري العالمي، كما ينظر العرب إلى الأمريكيين على أنهم رأسماليين منشغلين بمص دماء الفقراء والعمالة الرخيصة، وأن اليهود الأمريكيون مسيطرون على الاقتصاد والإعلام بل وعلى القرار السياسي، وبالتالي لا يفسر الطرف العربي أي إجراء أمريكي إلا من خلال نظرية التآمر واستهداف العرب المسلمين، وأن الطرف الأمريكي يقوم بدور الصليبيين الجدد ولكنهم جبناء يهربون من الالتحام المباشر كما حدث في بيروت والصومال.

IV.      تناقص الاعتماد المتبادل بين الطرفين في مجالات التجارة والسياحة وكافة أشكال التعاون الأخرى.                                 

    V.      انحسار التفكير الاستراتيجي المشترك بين الجانبين وتحوله إلى مجالات محدودة تختلف بحسب سخونة الموقف من فلسطين، إلى الإصلاح ثم مكافحة الإرهاب، بحيث لم يعد هناك تصور استراتيجي مشترك يجمع بين الولايات المتحدة وأصدقائها التقليديين في العالم العربي.[7]

وإذا كان من السهل في ظاهر الأمر تصوير السياسة الخارجية الأمريكية نحو العالم العربي كنتاج للسياسة الداخلية الأمريكية، ولجهود اللوبي الصهيوني القوي بصفة خاصة، فإن هذه الصورة تبدو شديدة التبسيط، بل ومضللة أحيانا، لأنها تمثل نوعا من المصادرة على المطلوب، فما الذي يفسر فعالية اللوبي الصهيوني المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، ومتى أصبح مؤثرا في عملية اتخاذ القرار السياسي الخارجي للولايات المتحدة اتجاه العالم العربي؟ وكيف نجح في ذلك؟ 

فلا أحد ينكر أن إسرائيل وأصدقائها في الولايات المتحدة، يمارسون نفوذا هائلا في صناعة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية، واللوبي الصهيوني يجد آذانا صاغية في الولايات المتحدة نظرا لانسجامها مع الآراء الراسخة تاريخيا لدى الأمريكيين حول العرب والمسلمين بشكل عام، ولهذا فإن جهود اللوبي المؤيد لإسرائيل من الضروري أن تقدم ضمن سياق السياسة والدولة والمجتمع الأمريكي فيها، وبهذا المعنى فإن فهم السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة العربية يتطلب فهما أعمق للمصادر المجتمعية والثقافية والحضارية والأمنية التي تغذي تصورات الأمريكيين حول العرب والمسلمين.[8] لكن لا يمكن إنكار سلسلة التطورات التي تمر بها العلاقات العربية الأمريكية والتي تغذي فكرة اتساع الهوة بين مواقف الأطراف العرب ومواقف الولايات المتحدة:

أولا: اقتراب الموقف الأمريكي إلى ما يصل حد التماثل مع موقف شارون إزاء كيفية التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والسماح له بعرقلة خارطة الطريق وبناء الجدار الفاصل واقتطاع المزيد من الأراضي الفلسطينية.

ثانيا: التخلي عن سياسات أمريكية تقليدية لمجرد إظهار المساندة لإسرائيل، مثل موقف بوش من المستوطنات وحق العودة للاجئين الفلسطينيين.

ثالثا: عملية غزو العراق واحتلال الولايات المتحدة لدولة عربية، وهي سابقة تاريخية تجعل العرب ينظرون إلى الولايات المتحدة كامتداد للمرحلة الاستعمارية البريطانية والفرنسية لأراضيهم.

رابعا: تصاعد التهديدات الأمريكية لسوريا وإيران يعمق الشعور بأن الولايات المتحدة تسعى للهيمنة الإقليمية، وتنفيذ خطة القرن الأمريكي الجديد التي رسمها المحافظون الجدد.[9]

خامسا: التصعيد المحتمل ضد السودان حول أزمة دارفور حتى بعد أن رضخت حكومته للضغوط الأمريكية وقبلت تقاسم السلطة والثروة مع الجنوبيين.

سادسا: تردي العلاقات الأمريكية مع الدول العربية الصديقة خاصة السعودية ومصر وانحسار علاقات التعاون الاستراتيجي معها.

سابعا: نزوع الولايات المتحدة إلى تجاهل التشاور مع الأطراف العربية حول خطوط الإصلاح قبل طرح مبادرتها حول رغبة واشنطن في فرض التغيير على المنطقة العربية.

ثامنا: استخدام الإعلام بشكل يسيء كل طرف للآخر حيث تزايد مستوى المشاعر المناهضة للولايات المتحدة في العالم العربي، وفي المقابل تقل عدد الدول العربية المفضلة لدى الشعب الأمريكي.[10]

  وهو ما يضع الدبلوماسية العربية الجماعية والفردية في حالة صعبة للغاية، حيث تعود العرب على اعتبار أنفسهم دعاة تغيير وتطوير وربما ثورة واعتبار الولايات المتحدة قوة للحفاظ على الوضع القائم، أما اليوم فهناك حالة جديدة، وهي تحول الولايات المتحدة إلى قوة تغيير بينما انزلق العرب إلى نوع من الممانعة التي تتضمن في طياتها محافظة على الأمور القائمة، حيث حدث انقلاب أخذت فيه أمريكا الرغبة في التغيير من العرب بينما العرب يعتبرون الحفاظ على ما هو قائم كأحد المنجزات التي يمكن الاعتزاز بها. هذا الانقلاب الذي دفع وزير الخارجية الألماني "يوشكافيشر" إلى القول لوزير الدفاع الأمريكي "دونالد رامسفيلد" في إحدى الجلسات "إنكم بلاشفة القرن الواحد والعشرين" فكما كان القرن الماضي محكوما برغبة البلاشفة في موسكو بتغيير النظام العالمي كله، فالأمريكيين هم بلاشفة هذا القرن.

أما بالنسبة للدبلوماسية العربية فما يحدث لها فهو أمر جديد تماما، فقد نشأت منذ خمسينات القرن الماضي على فكرة أنها تود أن توصل للقوة العظمى أنها تمثل سياسة حكومات واقعية، مقابلة سياسة شعوب تسعى إلى التغيير، وأن عليها أن توائم بين هذين الأمرين، إلا أن الأمريكيين لا يقبلون اليوم بهذا الأمر، وهم يعتبرون أنفسهم مع التغيير، وهذا ما عبر عنه رامسفليد عندما اعتبر انهيار النظام العراقي السابق شبيها بانهيار جدار برلين، أي مقدمة لتغيير شامل في المنطقة، وكذلك عندما ذهب كولن باول أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي ليقول أنهم يريدون إعادة تشكيل المنطقة سياسيا وفق مصالح الولايات المتحدة، وهذا الهدف يجعلها قوة تغيير ويضع أمام الدبلوماسية العربية تحديا غير مسبوق، فعليها أن تختار إما أن تعتبر الإبقاء على الوضع القائم نوعا من الإنجاز أمام هذه القوة التي تريد تغيير الأمور وفق ما تقول به الولايات المتحدة أو أنها لا تريد الإبقاء على ما هو قائم، أو لا تريد التغيير وفق الإملاءات الأمريكية بل التغيير من العرب أنفسهم، وأن لا يكون الخلاف بين الدبلوماسية العربية والموقف الأمريكي خلافا بين محافظين على وضع سيء وقوة ضاغطة تريد تغييره لمصلحتها كما تعلن ذلك وإنما أن يكون الخلاف بين قوة واحدة عظيمة تريد أن تغير الأوضاع لمصلحتها وقوى عربية تريد أيضا التغيير لمصلحة عربية.[11] بيد أن الاستراتيجية الأمريكية لا تتوقف هنا، حيث هناك جناح آخر لها يسعى إلى خلق شرخ بين المشرق والمغرب.

وكانت قمة تونس المؤشر الواضح على بدء الأشغال الرسمية لهذا الشرخ، فقد صور الصراع على القمة بأنه صراع مشرقي-مغربي، واستنفرت من أجل ذلك كل أجهزة الدعاية والإعلام، كما بذلت جهود موازية لإبراز المغرب العربي على أنه يسير على نقيض المشرق من حيث الالتزام بالإصلاحات الديمقراطية وإطلاق الحريات.[12]إضافة إلى أن الدبلوماسية العربية وعوض العمل على التعاون في ما بينها في مجالات حيوية بالنسبة لشعوبها، أصبح كل ما يشغلها هو التنسيق فيما بينها وبين أمريكا في محاربة الإرهاب، كما أن كل دولة عربية تسعى منفردة إلى نيل رضى أمريكا، ومنذ أحداث 11 شتنبر والأمريكيون ينطلقون من فكرة أن منبع الإرهاب يتمثل في منطقة الشرق الأوسط والمغرب العربي، وذلك راجع لكون الأنظمة العربية عاجزة عن خلق الازدهار الاقتصادي بدولها وأنتجت عددا من المهمشين والمقصيين الذين يحملون مسؤولية وضعيتهم للولايات المتحدة، لذلك تطرح هذه الأخيرة كبديل محاولة خلق نوع من الازدهار الاقتصادي عبر استراتيجية التبادل الحر، وهذاالطرح مرتبط بمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يرتكز على خلق مناطق مزدهرة للتخفيف من سخط المهمشين ومحاصرة منابع الإرهاب وهو ما دفع الأمريكيين إلى اختيار بعض البلدان كنماذج والبداية كانت من الأردن بالتوقيع على اتفاقية التبادل الحر في مارس 2000 والتي دخلت حيز النفاذ 2001، ثم المغرب حيث كان التوقيع في 2 مارس بواشنطن،[13] والبحرين التي توجد الآن في مرحلة التفاوض، ولأن المغرب والأردن يقدمان لنموذجان متشابهان، فهما نظامان ملكيان يسمحان بنوع من الحرية ويعدان ربما من الأنظمة الأقل انتقادا في العالم العربي،[14] هذه الوضعية التي يعتبرها البعض تحديا للدول العربية "الصغرى" للدول العربية "الكبرى"، حيث ستكون الأولى نقطة الانطلاق الأمريكية نحو تغيير الثانية، وهكذا سيكون في وسع قطر مثلا دوما تحدي السعودية ونظامها، والأردن وربما لبنان، قريبا تحدي سوريا، وليبيا تحدي مصر، وتونس كل الدول العربية الكبرى مجتمعة،[15] وفي ظل هذه الاستراتيجية يحظى المغرب بمكانة خاصة لا يمكن فهمها في أبعادها السياسية والاقتصادية أو الثقافية فقط بل كذلك في بعدها الأمني الذي أصبح يحتل جزءا كبيرا في العلاقات السياسية الخارجية للدول خاصة بعد 11 شتنبر 2001، وخضع الاهتمام بالمغرب لمجموعة من العوامل ارتبطت بالدرجة الأولى بتفاعل السياسة الخارجية الأمريكية مع متغيرات المحيط الدولي الذي تطلب القيام بعملية متواصلة من التقييم وإعادة التقييم لدور المغرب في إطار الاستراتيجية الأمريكية.[16]

إن اختيارات المغرب السياسية المعتدلة، ومواقفه من أبرز القضايا الدولية كالإرهاب ظلت تقربه من الولايات المتحدة كشريك إقليمي، حيث حرصت الدبلوماسية المغربية على الارتباط ومسايرة نظيرتها الأمريكية في بحث دائم عن قضايا مشتركة برهن من خلالها على وحدة الرؤيا والدعم اللامشروط،[17]وهذا الرهان في السياسة المغربية شكل موقفا جد متقدم للملك محمد السادس، ولذلك اختارته الولايات المتحدة لإبرام اتفاقية التبادل الحر،[18]لكن يمكن التساؤل عن الدوافع الحقيقية التي أدت إلى إبرام هذه الاتفاقية؟ بمعنى آخر هل هذه الاتفاقية اقتصادية محظة أم أنها تحمل أهدافا سياسية؟.

كثير من المحللين قالوا أن اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة هي اتفاقية سياسية بالأساس بناءا على معطيات كثيرة أهمها:

Ø    السرية التي مرت بها المفاوضات.

Ø    منافسة الاتحاد الأوربي في منطقة المغرب العربي.

Ø    الاستفادة من موقع المغرب الجغرافي في الحر ب على الإرهاب.

Ø    تأمين قاعدة أمريكية قوية في المغرب تساند قاعدة روتانا الإسبانية.[19]

وفي استطلاع للرأي أنجزته المجلة الاقتصادية المغربية على 500 مشارك من رؤساء وسياسيين وممثلين للمجتمع المدني، وكانت النتيجة تجد على الشكل التالي: 64,06% منهم ترى أن اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة هي اتفاقية سياسية، في حين يرى 15,4% منهم أنها اتفاقية اقتصادية، و19,2% منهم ترى أنها سياسية واقتصادية في نفس الوقت.[20]

لكن يبقى هاجس الوحدة الترابية هو الذي يحكم السياسة الخارجية المغربية رغم أن الأمريكيين يرون الأمر بشكل مختلف حيث ينظرون إلى ملف الصحراء بصفته ملفا مستقلا عن التبادل الحر والذي يتطلب نوعا آخر من المفاوضات.[21]ومنذ التحول الأمريكي في موقفها من الصحراء، عملت الدبلوماسية المغربية على التحرك من أجل الدفع إلى تصحيح مواقفها. وهذا ما تم بعد الزيارة الملكية للولايات المتحدة، حيث أكد الرئيس الامريكي عن تفهم حساسية الموضوع بالنسبة للمغرب وأنه لا يمكن فرض أي شيء على المغرب، ورغم ذلك فالدبلوماسية المغربية مطالبة الآن بتحقيق التوازن بين اتفاقية التبادل الحر مع دولة عظمى لن تفيد الاقتصاد المغربي كثيرا بقدر ما ستكون وسيلة للتباهي السياسي.[22]خاصة مع تعقد دور الدبلوماسية، حيث أصبحت الدول التي لا تتوفق في صياغة سياسة خارجية دقيقة وصائبة عرضة للسقوط في الخسارة، ليس مصالحها فقط وإنما خسارة قرارها الوطني إن لم يكن سيادتها بالكامل، فقد ازداد الأداء الدبلوماسي صعوبة بعد فقدان الضوابط التي كانت تحكمه، وأصبح الفعل الدبلوماسي أشبه بالمشي على خيط رفيع، وهو ما يحتم العمل على تفعيلدبلوماسية وقائية لا تكتفي بمعالجة آثار الأحداث وتداعياتها وإنما استباق الكارثة.[23]

في هذا الإطار يتوجب على المغرب إعادة تقييم الدبلوماسية العربية من أجل توجيهها ومواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، ومواجهة "الدبلوماسية الشمولية" الغربية والتحول نحو تطبيق دبلوماسية شمولية عربية تتمتع بصفات الدبلوماسية العصرية في عالم لا يقبل بالدبلوماسية الفردية بل دبلوماسيات متكتلة،[24]على شاكلة الاتحاد الأوربي الذي أصبح محط تنافس مع الولايات المتحدة الأمريكية على النفوذ في المغرب العربي الذي كان إلى وقت قريب منطقة نفوذ أوربية بدون منازع.[25]هذا التنافس الذي ينعكس على العلاقات المغاربية بشكل أو بآخر.



[1]- انظر المطلب الخاص بمشروع الشرق الأوسط والإصلاح.

[2]- سعيد، عبد المنعم: "العلاقات العربية الأمريكية"، الأهرام 2001-01-1                www.ahram.org.eg/acpss/ahram/2001/1/1

[3]-  هارلان كليفلاند: " ميلاد عالم جديد فرصة متاحة لقيادة عالمية" ترجمة جمال علي زهران، المكتبة الأكاديمية 2000 ص: 19.

[4]- ستيفن امبروز: "الارتقاء إلى العالمية: السياسة الخارجية الأمريكية منذ 1938" ترجمة نادية محمد ياسين، المكتبة الأكاديمية، القاهرة 1994، ص: 14.

[5]- خليفة نبيل: "الرؤية المستقبلية للعلاقات العربية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين"، ضمن مؤلف جماعي، "العلاقات العربية الأمريكية نحو مستقبل مشترك" سامي عبد الله خصاونة، عمان الجامعة الأردنية 2001 ص: 469.

[6]- تعريف صراع الحضارات.

[7]- سعيد، عبد المنعم: مرجع سابق.

[8]- جرجس فواز: "السياسة الأمريكية تجاه العرب كيف تصنع؟ ومن يصنعها؟" مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت الطبعة الأولى يونيو 1998 ص: 13. 

[9]- تعريف المحافظون الجدد.

[10]- عبد المنعم، سعيد: مرجع سابق.

[11]- سلامة غسان: الدبلوماسية العربية تجاه الحرب على العراق" ضمن ندوة تحت عنوان الدبلوماسية العربية في عالم متغير" مركز دراسات الوحدة العربية بيروت الطبعة الأولى غشت 2004 ص: 200.

[12]- محيو، سعيد: "كبار" و "صغار" في لوحة الشطرنج الأمريكية "الصباح" عدد 1250، 15-04-2004.

[13]- إن قرار التوصل إلى اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة تم الإعلان عنه يوم 23 أبريل 2002 وذلك بمناسبة الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس إلى الولايات المتحدة، وفي يناير 2003 انطلقت المفاوضات من طرف الوزير المنتدب في الشؤون الخارجية والتعاون الطيب الفاسي الفهري الذي عين المنسق المحاور الأساسية مع أمريكا من طرف الملك، ومن جانب الولايات المتحدة كانت "كاترين نوفيلد " ثانية كانت الدولة في التجارة الخارجية مكلف بمباشرة المفاوضات وشملت سبع جولات تفاوضية شملت اثنى عرة قطاعا همت كل من الفلاحة، تجارة الخدمات، ولوج السواق القضايا الجمروكية، التعاون الجمروكي، النسيج، حقوق الملكية الفكرية، الصفقات العمومية، المجال الاجتماعي، اشغل القضايا القانونية الاشهار، البيئة. 

[14]- بنعلي إدريس: "الرهانات المرتبطة باتفاق التبادل الحر هل هي رهانات سياسية أم اقتصادية بالنسبة لأمريكا"، الصحيفة عدد 153/12 مارس 2004. ص 10/11.

[15]- محيو سعد: مرجع سابق.

[16]- العثماني رشيد: "المنافسة الجزائرية للعلاقات المغربية الأمريكية، العامل السياسي كنموذج"، عرض السنة الثانية من دبلوم الدراسات العليا المعمقة مادة المغرب وأمريكا، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال الرباط.

[17]- رفاش، مصطفى: "السياسة الخارجية المغربية بين الإكراهات الداخلية والخارجية" رسالة للباحث في جريدة العلم. عدد 419526 نوفمبر 2003 ص: 6.

[18]- العثماني، رشيد: "الدبلوماسية الاقتصادية في الممارسة المغربية"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، أكدال، الرياض، سنة 2003 ص: 98.

[19]- Emanuel Delaine : « Le Maroc a l’heure américaine » Ecofinance N° 42 Avril 2004.

[20]- Economie et Entreprise : « Libre échange Maroc USA : un accord économique ou politique » ? N°58 P : 39.

[21]- Mery Tachid : « et si on avait réflichée avant de conclune » la véritée N°155 du 5 an 11 Mars 2004 P : 8.

[22]- مساوي،عادل: مرجع سابق ص: 36-48.

[23]- الجمني، عبد المجيد: "الدبلوماسية في معارك الوجود والبقاء"                                                                 www.albayan.co.ae

[24]- بن هودين،محمد: "الدبلوماسية العربية في عالم متغير" مرجع سابق ص: 173. 

[25]- الجور شي، صلاح الدين: "الشراكة الأمريكية المغاربية سوق جديدة ورهانات استراتيجية"   

                              www.albayan.co.ae

 

(3) تعليقات

ملامح النظام السياسي الفلسطيني بعد التسوية، وإشكالية العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية

 

 

 

الباحث: علاء فوزي أبو طه.  خبير في شؤون العلاقات الدولية.

"مشروع التسوية واتفاق إعلان المبادئ وما تلاه من اتفاقيات، مثلت نقلة نوعية في طبيعة وشكل النظام السياسي الفلسطيني، والذي اعتبرت منظمة التحرير ممثلة ذلك النظام منذ إنشائها 1964 وتم التعامل معها كتجسيد للكيانية السياسية الفلسطينية، من حيث وجود قيادات ومؤسسات: رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واللجنة التنفيذية، والمجلس المركزي، والمجلس الوطني الفلسطيني، والقضاء الثوري، ومؤسسات أخرى أهمها القوات المسلحة. وقد حدد الميثاق القومي أولاً، ثم الوطني، الإستراتيجية والهدف، فكانت بدايةً إستراتيجية الكفاح المسلح، ثم بالتدريج من خلال صياغات تحويرية تم الانتقال من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي، هذا التحول في الإستراتيجية كان نتيجة استعداد لتحويل الأهداف من تحرير كل فلسطين إلى القبول بالدولة على أساس الشرعية الدولية، ومع أوسلو تم الانتقال إلى الشرعية التفاوضية وتأسيس الكيان من خلالها.

  كان النظام السياسي الفلسطيني منذ بداياته هو نظام حركة تحرر وطني، تناضل من خارج أراضيها، وهو ما جعل المحددات الخارجية تلعب دوراً كبيراً في قيام النظام السياسي – منظمة التحرير-، ثم التأثير والتدخل في رسم سياساته وحركاته السياسية لاحقاً.

هكذا منذ البداية لم يكن النظام السياسي الفلسطيني هو الفاعل الوحيد في رسم إطار الصراع وتحديد أهدافه وأبعاده بل كان طرفاً ضمن أطراف متعددة عربية ودولية،[1]وزاد الدخول في تسوية غامضة من تكريس أزمة سياسية فلسطينية.[2]

ويبدو أن الثوابت التي حافظ عليها النظام السياسي الفلسطيني، هي اقل بكثير من المتغيرات التي طرأت عليه، فنظرا لمحدودية الإمكانيات الفلسطينية:العسكرية والاقتصادية والديموغرافية (الشتات والاحتلال)، فقد استمرت التدخلات الخارجية في لعب الدور الرئيسي في توجيه النظام السياسي الفلسطيني عن أهدافه وإستراتيجية، فقد أصبحت القوى المؤثرة قوى غير صديقة أو معادية أو صديقة غير مؤثرة أو محايدة،  فالمعسكر الاشتراكي قد انهار، وكذا النظام الإقليمي العربي، وحركة التحرر العالمية وليس واقع العالم الإسلامي بأفضل حال، والحركة الثورية الفلسطينية نفسها وبالرغم من تشتتها بعد الخروج من لبنان صيف 1982، كانت تشكل حالة إزعاج للولايات المتحدة وإسرائيل ولدول عربية ولكنها بعد أوسلو دخلت قفص التسوية، وتحول الثوار إلى موظفين أو رجال امن دون مهمة محددة، كذلك أن قوى سياسية جديدة ظهرت على الساحة، وحاولت أن تنقذ المشروع الوطني الفلسطيني على أسس جديدة، مثل الجماعات الإسلامية في فلسطين والمد الأصولي خارجها، إلا أن اتفاقية أوسلو وتوابعها لم تفسح مجالا ًلهذه القوى لتكون جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني، وهذه القوى أساسا قبل أوسلو لم تكن راغبة بالانضواء في النظام السياسي الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية، وفي النهاية أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وأوروبا وإسرائيل هي الأطراف المؤثرة في الصراع وهذا ما ظهر جلياً منذ مؤتمر مدريد للسلام 1991 حتى كتابة هذه السطور.[3]

وهكذا استمر مشروع التسوية بوضع شروط محددة وصلاحيات محددة على شكل النظام السياسي الفلسطيني، والذي تمثل في إدارة الحكم الذاتي والسلطة الوطنية الفلسطينية، حتى برزت إشكالية العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وما بين السلطة الفلسطينية الناشئة من خلال نصوص اتفاق أوسلو، والاتفاقيات التي تلتها والتي حددت الضوابط والصلاحيات القانونية والأمنية والاقتصادية والسياسية لسلطة الحكم الذاتي، فالسؤال كيف تدبر الفلسطينيون أمور نظامهم السياسي في ظل وجود شبه ازدواجية وغموض في العلاقة بين الأجهزة المختلفة لمكوناته ؟ بمعنى أخر ما هي العلاقة بين مؤسسات المنظمة والسلطة الفلسطينية ؟

وفقا لهذا الأساس فان النظرة القانونية للأسس التي تنطلق منها صلاحيات هذه المؤسسات، توضح طبيعة العلاقة المتعارف عليها بينهما، بالنسبة للمنظمة هي تركز على المواثيق:

1- الميثاق الوطني الفلسطيني.

2- النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

3- اللائحة الداخلية للمجلس المركزي الفلسطيني.

4- اللائحة الداخلية للمجلس الوطني الفلسطيني.

5- وثيقة الاستقلال، فبراير 1988.

6- قرار اختيار رئيس دولة فلسطين.

أما بالنسبة للسلطة الوطنية الفلسطينية نجد مصادر نظامها في: 

1- قرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير بإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1993.

2-اتفاق إعلان المبادئ بين حكومة إسرائيل وفريق منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، لإقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية وانتخاب المجلس الفلسطيني في قطاع غزة والضفة بما فيها القدس.

3-رسائل الاعتراف بين إسرائيل ومنظمة التحرير.

4-اتفاقية غزة- أريحا في مايو 1994 ونقل الصلاحيات المبكرة في أغسطس 1994 ونقل المزيد من الصلاحيات في عام 1995.

5-الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي المؤقت حول الضفة الغربية وقطاع غزة في سبتمبر 1995.

6-الواقع العملي أو الأعراف القانونية.

   فبالنسبة لمنظمة لتحرير فإن الميثاق الوطني الفلسطيني نص في المادة (25) على أنه تحقيقاً للأهداف الواردة في الميثاق، تنشأ منظمة التحرير الفلسطينية التي وفقاً للمادة (26) من الميثاق تعتبر ممثلة لقوى الثورة الفلسطينية ومسئولة عن حركة الشعب العربي الفلسطيني، وقد أحالت المادة (32) من الميثاق الوطني إلى النظام الأساسي لمنظمة التحرير لتحديد كيفية تشكيل هيئات المنظمة ومؤسساتها واختصاصاتها، ووفقاً للنظام الأساسي للمنظمة يعتبر المجلس الوطني الفلسطيني هو السلطة العليا لمنظمة التحرير (كما جاء في المادة السابعة من النظام الأساسي)، فالمجلس الوطني هو صاحب الاختصاص بوضع سياساتها ومخططاتها وبرامجها وآلية تنفيذها.

وقد اكتسبت المنظمة بهذا الوضع اعترافاً عربياً (خاصة منذ مؤتمر القمة في الجزائر 1973، والرباط عام 1974، وعلى المستوى الدولي حيث كان اعتراف العديد من الدول الاشتراكية ودول عدم الانحياز ودول إفريقيا وإسلامية، وكذلك الأمم المتحدة قبلت الصفة التمثيلية للمنظمة ).[4]

من قواعد النظام القانوني الفلسطيني التي تعد مصدر للأحكام التي تحدد طبيعة العلاقة بين منظمة التحرير والكيان الفلسطيني الذي ولد باتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير (السلطة الفلسطينية)، هي القرارات الصادرة عن المجلس الوطني الفلسطيني ومجلسه المركزي باعتبار المجلس الوطني المعبر عن الفلسطينيين في أماكن وجودهم المتعددة في العالم، ومن قرارات المجلس على الخصوص تلك التي تبنى بموجبها مشروع الدولة الديمقراطية الفلسطينية، وإقامتها على كل جزء من الأرض الفلسطيني التي يتم تحريرها، التي كانت بدايتها القرار الصادر في الدورة الثانية عشر للمجلس الوطني والذي أكد قراره بإعلان الاستقلال عام 1988 حيث عبر فيه المجلس عن إيمانه بتسوية المشاكل الدولية الإقليمية بالطرق السلمية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.[5] 

وتمشياً مع إعلان الاستقلال كان قرار المجلس في 30/3/1989 باختيار رئيس دولة فلسطين. وتعتبر قرارات المجلس الوطني تلك وغيرها أساس الدخول في عملية سلام الشرق الأوسط، التي بدأت منذ مدريد 1991، وتتابعت بتوقيع اتفاق إعلان المبادئ عام 1993، وتلاها توقيع الاتفاقية المرحلية الدولية بين حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير عن الشعب الفلسطيني في واشنطن 1995، وفي أثناء عملية السلام قرر المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في دورته المنعقدة في10-12/1993، تكليف رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية وبتكليف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بتشكيل مجلس السلطة الوطنية الفلسطينية في المرحلة الانتقالية برئاسة رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة.

جاءت اتفاقيات غزة-أريحا 1994، وبروتوكول القاهرة 1995، ثم واشنطن 1995، مؤكدة على مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية كممثلة للشعب الفلسطيني، وتحتوي على مؤشرات للمركز القانوني للسلطة الفلسطينية، وعلاقتها بمنظمة التحرير الفلسطينية و مؤسساتها. فقد نصت الاتفاقية المرحلية علي التزام المنظمة بإجراء انتخابات سياسية عامة لمجلس السلطة "المجلس التشريعي" ولرئيس السلطة، وان هذه الانتخابات تشكل خطوة تمهيدية نحو تحقيق الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، ولتوفر الأسس الديمقراطية لإقامة مؤسسات فلسطينية، تكون بدايةً بإقامة سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني الانتقالي بانتخاب المجلس الفلسطيني وحددت مواد الاتفاقية صلاحياته التشريعية و التنفيذية.[6]

ومن مجمل الصلاحيات التي حددتها مواد الاتفاقية نجد أنها أعطت الدور الأساسي لممارسة السلطات للمجلس المنتخب والسلطة التنفيذية، أما صلاحيات منظمة التحرير فلم يرد لها ذكر سوي كونها طرفا شريكا مقابلا لحكومة دولة إسرائيل، وأنه وفقا للمادة (9) من اتفاقية واشنطن المرحلية في 28/9/1995 الفقرة 5/ ب ، فإن لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تجري مفاوضات توقيع اتفاقيات مع دول أو منظمات دولية لمصلحة المجلس في الأمور التالية :

1- اتفاقيات اقتصادية كما هو وارد في الملحق الخامس للاتفاقية.

2- اتفاقيات مع دول مانحة من اجل تنفيذ ترتيبات لتقديم المساعدات للمجلس.

3- اتفاقيات من اجل تنفيذ خطط التنمية الإقليمية كما ورد في الملحق الرابع من إعلان المبادئ أو اتفاقيات أخرى في إطار المفاوضات المتعددة.

قد حاول الاتفاق أن ينفي عن هذه العلاقات الدولية صفة "الدولية"، وواضح من خلال الاتفاقيات التي تم التوصل إليها أن دور المنظمة ومؤسساتها في الأراضي الفلسطينية محدودة، فالدور الأكبر هو لمؤسسات السلطة الوطنية التي أفرزتها اتفاق إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقد زاد من إشكالية طبيعة العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية، فضلاً عن قلة النصوص التي تعطي دوراً رئيسياً لمؤسسات المنظمة، أن الممارسة العملية للسلطة الوطنية الفلسطينية لا تستند إلى مرجعية دستورية عليا تنظم العلاقة بين المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس التشريعي، فكل ما يوجد نظرياً في النصوص القانونية هو ما ورد في قانون الانتخابات الفلسطيني رقم 15 لسنة 1995، حيث نصت المادة الثالثة انه يكون أعضاء المجلس الفلسطيني فور انتخابهم أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني وفقاً للمادتين 6،5 من النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وحتى مشروع القانون الأساسي للمرحلة الانتقالية الذي اقره المجلس التشريعي،[7]لم يحدد ملامح العلاقة بين مؤسسات المنظمة ومؤسسات السلطة، فما ورد في المشروع لا يتعدى كونه عبارات عامة، لا يتضمن معاني قانونية محددة،[8]ولم يبين القانون الأساسي كيفية قيادة منظمة التحرير وما دورها واختصاصات مؤسساتها، التي باتت شبه معطلة وكأنه لا دور لها في هذه المرحلة، مما يعني ذلك من وجود مؤشرات تدل على إهمال المنظمة ومؤسساتها،[9]  والذي يؤدي ذلك بدوره إلى إنهائها تدريجياً وكلياً وبالتالي إلى انتهاء الميثاق الوطني الفلسطيني، كما تريد إسرائيل لتصبح السلطة الوطنية للحكم الذاتي المحدود بديلاً عن المنظمة.[10] 

وما يهم في الاتفاقيات ومنظومة أوسلو كلها أن يتم تطبيق فعلي على أرض الواقع لمفهوم السلام وتطبيق الالتزامات الأمنية، فكان ذلك من أهم مبررات دعم سلطة الحكم الذاتي لتضمن تطبيق الاستحقاقات الأمنية على أرض الواقع، والاعتماد على العجلة السياسية للمفاوضات،[11]وهذا هدف مرحلي،  ليتحول هذا الكيان إلى دولة عبر قياس الأداء الفلسطيني من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، ولكن يبدو أن إسرائيل لا تريد لها سوى أن تقوم بدور الإنابة عن دورها،[12]لأن السلطة ستبقى مقيدة حسب الشروط الاتفاقية، وستبقى السياسية الخارجية كلها والأمن الداخلي والخارجي كله في يد إسرائيل، مع الحفاظ على النظام العام والذي سيتم بالتعاون مع الشرطة المحلية، ويستثنى المستوطنون الإسرائيليون من نطاق سلطة الهيئات الإدارية الفلسطينية.

إن هذا النظام سيكون مضمون دوره تخليص إسرائيل من عبء إدارة المناطق المحتلة، وتشغيل المدارس والمستشفيات، ويتيح لها في نفس الوقت الاستمرار لإحتفاظها بالسلطة النهائية في يدها.[13]

إجمالاً يمكن اعتبار اتفاق أوسلو أدخل الحركة الوطنية الفلسطينية في منعطف حاد ومرحلة جديدة، فهو أنهى مرحلة بكاملها من النضال الفلسطيني دون أن يحقق البرنامج الذي شكل أحد أبرز محاور الحقل السياسي الوطني، الذي رسمت تخومه منظمة التحرير الفلسطينية خلال ربع قرن على وجودها ككيان وطني، وهو برنامج يتمحور وما يزال حول إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وممارسة الشعب الفلسطينية لحقه في تقرير المصير والعودة، لقد أدخل اتفاق أوسلو على الحقل السياسي الفلسطيني وقائع ومناخات جديدة، أبرزها:

1- قيام سلطة وطنية فلسطينية على إقليمها الخاص في الضفة والقطاع قبل رسم حدوده من جانب، وقبل تشكل دولة من جانب ثانٍِ، وفي وضع اتسم بمواصلة إسرائيل وضع الشروط والقيود على السلطة الوطنية واستمرار استيطانها لأجزاء مهمة من الضفة الغربية والقطاع ومواصلة رفضها الإقرار بالاستقلال الفلسطيني ومترتباته ومتطلباته.

2- تلاشي عملياً دور ونشاط المؤسسات الوطنية الجامعة للفلسطينيين، وترسيخ تقليد اتخاذ القرارات خارج إطار هذه المؤسسات، مما يترتب على ذلك من تهميش كامل لمؤسسات منظمة التحرير ويخلق مخاوف كانت موجودة في زمن السلطة من تحول الشعب الفلسطيني إلى تجمعات معزولة بعضها عن بعضها الأخر، كما كرس دمج مؤسسات منظمة التحرير في أجهزة السلطة الفلسطينية، تهميشاً ككيان (مؤسسة) وكدور(ممثل للشعب الفلسطيني الوحيد في كل أماكن وجوده)، وبرنامج وطني يمثل المصالح الجامعة للشعب الفلسطيني في تجمعاته المختلفة.[14]

3- انتخاب مجلس تشريعي لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي وفر إمكانية إدخال تعديل جذري في بينة النظام السياسي الفلسطيني، لأن قيامه، كمؤسسة منتخبة بشكل ديمقراطي ومباشر أوجد حالة جديدة، تتعاكس مع الاتجاه الذي سار عليه النظام السياسي الفلسطيني منذ العام 1982. ويفسر هذا إلى حد بعيد محاولات التهميش التي تعرض لها المجلس التشريعي من قبل السلطة التنفيذية ورئيس السلطة الفلسطينية. مع العلم أن الحفاظ على شرعية المؤسسات المنبثقة من شرعية تمثيلهم للشعب الفلسطيني بإجراء أول انتخابات فلسطينية1996، يعتبر عاملا حاسما لابد الحفاظ عليه، للحفاظ على المشروعية القائمة، وتكريس شرعية الانتخابات والتمثيل، كظاهرة ديمقراطية تدعم موقف القيادة، وتسهل تعقيدات إدارتها للصراع.[15]

4-بروز بعض مظاهر انفضاض وعزوف عن التشكيلات السياسية القائمة(فصائل منظمة التحرير) دون ظهور تشكيلات سياسية جديدة، باستثناء الحركة الإسلامية التي تشكلت خارج إطار منظمة التحرير، كما لم تنجح محاولات تجديد التشكيلات السياسية السابقة، أو بناء تشكيلات جديدة داخل إطار المنظمة، وتستدعي الانتباه ظاهرة ضمور الأحزاب السياسية بعد اتفاق أوسلو وقيام سلطة فلسطينية، كون هذا الوضع السياسي المستجد يتطلب حضورها بقوة باعتبارها شرطاً ومكوناً أساسيا لتبلور نظام سياسي ديمقراطي.[16] 

أدخل اتفاق أوسلو تحولاً هاما في تضاريس الحقل السياسي الفلسطيني تجسد في قيام سلطة وطنية على مناطق في الضفة الغربية والقطاع، قبل قيام دولة وقبل تحديد إقليمها بشكل نهائي، وهي سلطة تجد مبرر وجودها في استكمال تحولها إلى دولة مستقلة، معتمدة بالدرجة الأولى على التفاوض مع الدولة المستعمِرة، تشكلت السلطة قبل الدولة وبوجود الاحتلال، وتضخمت بيروقراطية أجهزتها الأمنية والإدارية والمدنية، مع مناخ سياسي داخلي يتميز بغياب القضاء المستقل وضعف المأسسة "الدولانية"، وتهميش سلطة المجلس التشريعي المنتخب، وتحول حركة فتح إلى الانخراط في السلطة وقيادة نظام سياسي تحت خيمة الحزب الواحد،[17]وهيمنة مفردات الدولة المستقلة على لغة الحقل السياسي بعد أوسلو، مع هيمنة عملية التفاوض مع إسرائيل وأساليب مواجهة العراقيل والصعوبات التي تعترض تشكل الدولة الفلسطينية على هموم الحقل السياسي الفلسطيني.[18]

وما أن اقتربت الفترة الانتقالية حسب إعلان المبادئ، حتى أبانت عن وجود خلل جذري في التركيبة البنيوية للنظام السياسي الفلسطيني وإشكاليات في العلاقة النسقية والوظيفية بين بنى هذا النظام،  حتى برزت إلى السطح وبقوة دوافع ومبررات الإصلاح الفلسطيني في السلطة وفي المنظمة، وإعادة النظر في المرتكزات القانونية والسياسية والوظيفية التي يشتغل فيها ومن خلالها النظام السياسي الفلسطيني، وجاءت الأحداث مثل تولى الليكود للسلطة في إسرائيل 1996، ومواصلة سياسية الاستيطان وإعادة صياغة اتفاق أوسلو عملياً، كذلك الصدامات المتعددة بين الفلسطينيين والإسرائيليين (انتفاضة النفق، والاشتباكات بين الجيش الإسرائيلي وعناصر من الشرطة الفلسطينية عام 1996، 1998)، وتجميد المفاوضات بين الطرفين فترة غير قصيرة في العام 1997، والإغلاقات الإسرائيلية المتعددة والمتكررة للمناطق الفلسطينية كذلك جاءت انتفاضة الأقصى والتي كشفت النقاب عن العيوب المستورة،[19]  وأبانت عن الخلل الكامن في الإدراة الفلسطينية للصراع، ومن ازدواجية وارتجالية في اتخاذ القرارات وإصدار الإعلانات والتصريحات، حتى أصبح مطلب الإصلاح مطلبا داخليا وخارجيا ملحا، وقد فتحت أبواب القاهرة للقاء جميع الأطياف السياسية الفلسطينية للوقوف عند هذه النقاط ومحاولة تدراك سلبياتها، توجت بإعلان القاهرة فبراير 2005 والذي دعا إلى دمج كل الفصائل تحت لواء المنظمة بما فيها الحركات الإسلامية (حماس والجهاد الإسلامي) وإعادة إحياء مؤسسات المنظمة ودورها، وإعادة الاعتبار لقيادتها، وذلك بإشراف السلطة الفلسطينية.

 

 



[1]- انظر: إبراهيم أبراش: "النظام السياسي الفلسطيني ولد مأزوماً ولم يزل".. مجلة السياسية الدولية عدد 155 يناير 2004، ص46.

[2]- سميح فرسون: فلسطين والفلسطينيون.  ترجمة عطا عبد الوهاب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ابريل 2003، ص536.

[3]- د. إبراهيم أبراش: النظام السياسي الفلسطيني ولد مأزوماً ولم يزل. مرجع سابق ص48.

[4]- ماهر الشريف: البحث عن كيان، دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني 1908- 1993، نيقوسيا- قبرص، مركز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية في العالم العربي. 1995 ص:82. ويمكن الرجوع أيضاً: ناجي علوش: أوسلو وآفاق الصراع العربي- الصهيوني . دار الكنوز الأدبية، الطبعة الأولى، بيروت 1996، ص: 90.

[5]- د. احمد مبارك الخالدي: علاقة منظمة التحرير الفلسطينية بالسلطة الوطنية، إشكالية تدرج سلطات، أم تداول وإحلال؟ ، مجلة السياسة الفلسطينية ، عدد 25/26 صيف وخريف 1997، ص50.

[6]- ممدوح نوفل: نشوء وتطور إشكالية العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير. مجلة السياسة الفلسطينية، مركز الدراسات الفلسطينية، عدد 19-20/1998، ص82.

[7]- د.احمد مبارك الخالدي:  علاقة منظمة التحرير بالسلطة تدرج سلطات، أم تداول وإحلال ؟ مرجع سابق.ص52.

[8]- .. حيث جاء في مقدمته أن ميلاد السلطة الوطنية الفلسطينية على ارض فلسطين، لأجل نيل حقوقه الوطنية الثابتة المتمثلة في حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وان هذا القانون الأساسي يستمد قوته من إرادة الشعب الفلسطيني وينطلق من حقيقة أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. للمزيد يمكن النظر إلى ملف حول إشكالية العلاقة بين السلطة والمنظمة، مجلة السياسة الفلسطينية، عدد15،16/ صيف 1997.

[9]- ناجي علوش: أوسلو وآفاق الصراع العربي الصهيوني، مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية، مرجع سابق، ص:98.

[10]- جواد الحمد: مستقبل السلام في الشرق الأوسط. المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث. الطبعة الأولى 1994، ص:9.

[11]- أيفرت ماندلسون: لقاء حول القضايا الإستراتيجية والأمنية في المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، مركز الدراسات الفلسطينية 1994، ص:147. للمزيد حول موضوع أهمية وجود السلطة واقعياً، يمكن النظر إلى الخطط الرئيسية لتسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني منذ أوسلو 1993. جريدة الرأي الأردنية، 2/12/2003. 

[12]- علي الجرباوي: لكي نتخطى الأزمة، نحو إستراتيجية جديدة للعمل الفلسطيني.. معهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية، جامعة بير زيت، رام الله، الطبعة الأولى، أكتوبر 2001 ص:12.

[13]- آن موسلي ليش: الانتقال إلى الحكم الذاتي الفلسطيني، خطوات عملية نحو سلام إسرائيلي فلسطيني، تقرير أعدته مجموعة دراسية اجتمعت بدعوة من الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، ترجمة نهلة الخطيب، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، الطبعة الأولى/ بيروت، سبتمبر 1993، ص:42.

[14]- انظر: عماد جاد: العلاقات السياسية الداخلية في الساحة الفلسطينية من أوسلو إلى الانتفاضة، دراسات شرق أوسطية، عدد21، 2002

[15]- للمزيد من المعرفة يمكن الرجوع إلى: د. رياض علي العيلة: إصلاح المؤسسة التشريعية الفلسطينية. مجلة السياسة الدولية،. ملف العدد. يناير2005

[16]- جميل هلال: النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو. دراسة تحليلية نقدية. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، مواطن المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية. الطبعة الأولى، بيروت، أكتوبر 1998.ص246.

[17]- .. لقد تبلور في الحقل السياسي الفلسطيني نظام الحزب الواحد، ويقيم هذا الحزب، على ساحة واحدة، مع أحزاب مؤتلفة صغيرة (حزب الشعب، فدا، جبهة النضال الشعبي،.. وغيرها)، وأحزاب معارضة علمانية (الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، جبهة التحرير العربية، وغيرها )، وتنظيمات إسلامية وراديكالية ما بين متوسطة (حماس) أو صغيرة الحجم(الجهاد الإسلامي). ويجعل من التكوين السياسي الحالي إمكانية قيام نظام حزبين يتنافسان ديمقراطيا على السلطة، إمكانية ضعيفة في المستقبل القريب، رغم ذلك يمكن أن يدخل تغيير على النظام السياسي القائم في حال حدوث انشقاق حركة فتح،  أو تنامي سريع في تأييد حركة حماس، وتشكّل قطب إسلامي موحد، أو تشكّل قطب علماني ديمقراطي موحد ذو وزن جماهيري مؤثر. يمكن تحديد الأطراف الفاعلة في الحقل السياسي الفلسطيني بعد قيام السلطة الفلسطينية: رئيس السلطة، تنظيم فتح، المجلس التشريعي، المعارضة الإسلامية، وأخيرا ًالمعارضة العلمانية وهي الطرف الضعف، ولا تقوم الحركات العمالية والنسائية والمهنية بأي دور ملموس أو فاعل في هذا الحقل. للمزيد انظر: جميل هلال:  النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو. مرجع سابق.ص248.

-[18]  جميل هلال:  النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو. دراسة تحليلية نقدية. مرجع سابق ص250.

-[19]  د. إبراهيم أبراش: بعد عامين .. الانتفاضة إلى أين؟ مجلة الفرقان، العدد 48، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 2003 ص4.

(0) تعليقات

الانتخابات الإسرائيلية .. والقادم أصعب..!

 
الباحث: علاء فوزي أبو طه. باحث في شؤون العلاقات الدولية.
 
 

  الانتخابات الإسرائيلية : قراءة في واقع التنافس الحزبي وخيارات الناخب الإسرائيلي.

   تنتظر الساحة السياسية الإسرائيلية خلال شهر مارس 2006مجموعة من الأحداث على رأسها انتخابات الكنيست، والتي تأتي هذه المرة في ظرفية مختلفة تماما عن سابقاتها، حيث تعرف الساحة المحلية وكذلك الإقليمية والدولية مجموعة من التغيرات بعضها طفيف وبعضها الآخر أعمق، قد تغير بالتالي الوجهة السياسية لإسرائيل لسنوات مقبلة، ومن ملامح هذه المرحلة أنها تشهد غياب شارون عن الساحة السياسية لظروف مرضه، وهذا الغياب يعتبر غيابا أبديا للجسد وليس للأفكار، حيث وضعت أفكار شارون ومن يدور في فلكه مجموعة من التطبيقات الدائمة والتي سيبقى أثرها إلى أمد بعيد حسب الفرضيات الموجودة حاليا، هذا الرجل البلدوزر الذي لم يقف تأثيره على الممارسات العدوانية التي عانى الشعب الفلسطيني منها خلال توليه رئاسة الوزراء، بل امتدت لتشمل التأثير المباشر على مصير القضية الفلسطينية، كذلك عرفت الساحة السياسية الإسرائيلية في الأيام والأشهر الأخيرة لمرض شارون تفكك وضعف اليمين الإسرائيلي المتمثل في "حزب الليكود"، بعد تمرد أعضاءه ومؤسسيه عليه، وعرفت الحياة السياسية الإسرائيلية حزبا جديدا الذي أسسه شارون مع مجموعة من مناصريه ومساعديه "كديما"، هذا الحزب الجديد والذي حسب استطلاعات إسرائيلية سوف يكون حاضرا بقوة شديدة في الانتخابات القادمة من الممكن أن يكون بديلا أو منافسا قويا لحزب "الليكود"، الذي لم يعد لديه ما يكفيه لينافس، لاسيما وان الشارع الإسرائيلي قد ارتاح نوعا ما لنتائج "خطة الفصل أحادي الجانب"، وللأفكار التي طرحها شارون في تحقيق حل أحادي الجانب ومن طرف واحد للعلاقة مع الفلسطينيين، وبالتالي يؤيد أغلبية الشارع هذا الطرح، ومن يقوم على برامج أكثر فاعلية وواقعية لتطبيق متطلبات الطرح الأحادي سوف يكسب ود الشارع الإسرائيلي وأغلبية أصواته، كذلك وفي الجهة المقابلة يعرف "حزب العمل" الذي من المفترض فيه أن يكون ممثلا لمنافسة المعارضة تراجعا ملحوظا في قوته وشعبيته، فمن الممكن هنا أن تشهد الساحة السياسية الإسرائيلية تنافسا بين "الليكود" و "كديما" مع غياب ملحوظ "لحزب العمل" .

    تأتي الانتخابات الإسرائيلية ويعرف الإسرائيليون تماما الحالة الفلسطينية التي تعيش أسوأ مراحلها من التخبط السياسي، والتدهور الاقتصادي، وحالة الفلتان الأمني، والتي شعر من خلالها الإسرائيليون وبفضل خطة الفصل أحادي الجانب، أنهم ولأول مرة بعيدين عن ما يحصل في الأراضي الفلسطينية.

    كذلك فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وامتلاكها صلاحيات شرعية وقانونية، وتشكيلها للحكومة الفلسطينية الجديدة ، والتحديات المفروضة عليها والتي تتعامل معها لحتى الآن بكل ثقة، وبدون تغيير في برنامجها السياسي (مع عدم وجود نتائج أولية حول ذلك)، تعطي للناخب الإسرائيلي مؤشرا اكبر بعدم وجود شريك فلسطيني ، مما يشجع هذا لاختيار الطرح أحادى الجانب وتأييد مناصريه، لأنهم يدركون إن خروج " فتح" من السلطة وافتقادها لصفة " الحزب الحاكم الواحد"، يضعف من أنصار الشراكة مع الفلسطينيين، ولو عن طريق اتفاق مجحف كما يريد "حزب العمل"، فيسأل هؤلاء: مع من ستتحدث إذا كانت "فتح" خارج السلطة؟ وهل يمكن "لحزب العمل" أن ينفذ مشروعه ومنظوره لحل الصراع مع الفلسطينيين بإبرام اتفاق مع "حماس"؟ وهل الأجواء المحلية هنا وهناك، والإقليمية والدولية تتجه نحو ذلك؟ أي هل هناك من المؤشرات ما يدل على انه يمكن لحماس أن تدخل في اتفاق من نوع معين مع إسرائيل حتى في حالة فوز حزب العمل المؤيد لاتفاق مع الفلسطينيين عن طريق المشاركة والمفاوضات؟ خصوصا إذا كان هذا الاتفاق يتضمن حلا لبعض أو كل القضايا المصيرية العالقة.

     كذلك الحالة الإقليمية أكثر تعقدا، بعد هذا الكم من التحركات السياسية لمعظم الحركات والأحزاب الدينية الإسلامية في العالم العربي، فالحراك السياسي في العالم العربي ، مع انه ومنذ زمن لا يهم الناخب الإسرائيلي، إلا أنها بدأت تنال جزء من اهتماماته لاسيما ما حدث في انتخابات مصر من زيادة رصيد الأحزاب والحركات الإسلامية، كذلك بعض بلدان الخليج، وما يحدث في العراق وإيران ولبنان من زيادة لنصيب الأحزاب الدينية الإسلامية في هذه البلدان، والتجربة الأكثر وضوحا في فلسطين، ففوز الحركات الإسلامية وكسبها بعض المعارك السياسية في البلدان العربية، يعطي للناخب الإسرائيلي شعورا أكثر وميولا للاتجاه نحو اليمين، والقبول بإدارة إسرائيلية أكثر تطرفا ويمينية، وليس بعيدا هنا أن تحصل أحزاب دينية إسرائيلية على عدد اكبر من المعتاد في الانتخابات القادمة في إسرائيل، فالتجربة الديمقراطية في العالم العربي أثبتت أنها تعطي مجالا وهامشا أوسع للأحزاب والحركات الإسلامية، حيث سقطت هنا النبؤة الأمريكية بأن نشر الديمقراطية وفرضها في المنطقة سوف يبعد الإسلاميين عن الحكم.

     والوضع الدولي اليوم أكثر تفهما وتقربا من إسرائيل، وما تشجيع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإسرائيل على المضي قدما في مشروعها للانسحاب من غزة من طرف واحد، وصمتها عن سياسة الاغتيالات والتصفيات السياسية، إلا انه يزيد تشجيعا وتطمينا للناخب الإسرائيلي أن هناك رضاء وغطاء دولي للممارسات الأحادية للحكومة الإسرائيلية السابقة، وها هو رئيس الوزراء الإسرائيلي بالنيابة المؤقت، يلوح بأنه ينوي ترسيم حدود نهائية لإسرائيل وفصل نهائي عن الفلسطينيين، يعتبر ذلك دعاية انتخابية أكثر منها قرارا ينوي اتخاذه وتطبيقه بالفعل حاليا، لعلها تزيد من رصيده في الانتخابات القادمة.

 ومهما تكن نتيجة هذه الانتخابات، إلا انه على الطرف الفلسطيني أن يحضر جيدا لأجندته القادمة، ويتفرغ تمام بعد الانتهاء من تحصين جبهته الداخلية التي تأخذ أولوية قصوى، إلى المواجهة القادمة، والتي سيكون الأمر فيها مختلفا عن كل ما مضى من تجارب مع الإسرائيليين.  

 

 

(0) تعليقات

بانوراما الاحزاب السياسية المغربية

مجلة النور

 
انطلق العمل الحزبي بالمغرب  في فترة الاستعمار في سنة 1934، حيث اعتمدت الحركة الوطنية المغربية العمل الحزبي كأداة لتحركها السياسي، ومن تم فقد ارتبط العمل الحزبي بالمغرب بالمقاومة وحركة التحرير  في شخص"كتلة العمل الوطني" التي تعد أول حزب سياسي مغربي أسست ضدا على إلحاق فرنسا للمغرب بوزارة المستعمرات، ثم تأسس بعد ذلك حزب الاستقلال  في كانون الأول ـ ديسمبر ـ 1943.

 

وبينما كان خط الأحزاب التي ظهرت قبل الاستقلال هو تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي

 

فإن حصول المغرب على الاستقلال سنة1956 سيطرح على الأحزاب السياسية ضرورة تحديد منظوماتها الفكرية والمرجعية، خاصة في ظل الصراع الدي سينشأ بين المؤسسة الملكية أو مايعرف بالقصر، وحزب الاستقلال لكونه أقوى حزب يومها من جهة ولكونه، حرص على تبني إستراتيجية الحزب الوحيد، وبالتالي القضاء على الأحزاب الأخرى دمجا أو محاصرة.

 

وقد استطاع في مرحلة معينة استيعاب ودمج بعض الاحزاب فيما عارضت توجهه أحزاب أخرى وخاصة ذات المرجعية الماركسية اليسارية بشكل عام. فضلا عن القصر الذي سعى إلى تشجيع التعددية الحزبية، بحيث سيولد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من رحم حزب الاستقلال بعد خلافات إيديلوجية وفكرية وسياسية حادة، وسيتأسس حزب "الحركة الشعبية" في نفس السنة.

 

وماسبق سيفتح الباب أمام تشكل أحزاب جديدة إما بفعل الانقسامات داخل الأحزاب السياسية او بفعل تدخل الإدارة  في شخص وزارة الداخلية يومها، وصناعة بعض الأحزاب السياسية التي تصفها المعارضة اليسارية بالأحزاب الإدارية،  وقد تكاثرت الاحزاب بالمغرب وتناسلت حتى  وصل عددها اليوم إلى حوالي 36 حزبا سياسيا ويمكن تقسيمها على الشكل التالي:

 

أحزاب يسارية تاريخية:

 

شكلت ولفترة مهمة المعارضة وخاض بعضها صراعا مع  المؤسسة الملكية حول السلطة ويتعلق الأمر بالأساس بحزب الاتحاد الاشتراكي الذي انفصل سنة 1975 عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والذي خرج بدوره من رحم حزب الاستقلال.

 

وقد انتقل الحزب من المعارضة إلى ممارسة الحكم سنة1997 في مايعرف بحكومة التناوب التي قادها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي الكاتب الاول السابق للحزب.

 

 ومازال الاتحاد الاشتراكي مكونا أساسيا في الحكومة المغربية الحالية، ثم هناك حزب التقدم والاشتراكية الذي كان يحمل قبل الاستقلال وإلى غاية سنة 1974، اسم الحزب الشيوعي المغربي، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي تأسست بشكل رسمي سنة عام 1983، وطلق مناضلوها توجه حركة 23 مارس الماركسية اللينية، وقد انشق عن حزب المنظمة  سنة 1996 الحزب الاشتراكي الديمقراطي. و شكلت المنظمة المذكورة سنة 2002  تحالفا مع ثلاثة أحزاب يسارية سموه بـ "حزب اليسار الاشتراكي الموحد".

 

أحزاب محافظة:

 

وعلى رأسها حزب الاستقلال، شارك في حكومات متعددة، كما مر من تجربة موقع المعارضة إلى جانب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

 

ثم حزب الحركة الشعبية التي أسسها الدكتور عبد الكريم الخطابي و أحرضان المحجوبي

 

في فبراير 1959، غير أنهما اختلفا سنة 1966 فأسس الأول الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية .

 

 وفي تشرين الأول ـ أكتوبر ـ 1986 انشق عن حزب حرضان فصيل بزعامة محمد العنصر واحتفظوا بنفس الإسم مما اضطره لتغيير الإسم الحركة الوطنية الشعبية.

 

وهناك من يصف أحزاب الحركة الشعبية بالاحزاب الإدارية ويرفض اعتبارها محافظة او يمينية على اعتبرا انها نسخة متشابهة ومرجعيتها واحدة لم تمارس المعارضة ن وظلت دائما تشارك في التشكيلات الحكومية باستثناء  فترة معينة.

 

أما حزب الخطيب الذي يعده البعض  رجل القصر بامتياز فقد استطاع ان يخلق مسافة مع حركة احرضان من خلال بعض مطالبه ذات الصبغة الإسلامية، ورفض زعيمه لفرض حالة الاستثناء  سنة  1965  يوم كان رئيسا للبرلمان، وهو ما سيجعله قبلة للإسلاميين في شخص حركة الإصلاح والتجديد في البداية، وخاصة بعدما رفضت السلطات طلبهم بتاسيس حزب التجديد الوطني سنة 1992، وبعد مفاوضات مع الدكتور الخطيب قبل هذا الاخير دخول الإسلاميين للعمل في حزبه كاعضاء وأفراد وبدأ ذلك يتبلور بشكل عملي سنة 1996 التي ستوافق اندماج حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي في حركة واحدة هي حركة التوحيد والإصلاح، وفي سنة 1998 تم الاتفاق تغيير  الإسم من " الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية" إلى "حزب العدالة والتنمية"  وهو الحزب الذي يشكل ثالث قوة سياسية في المغربن حصل في انتخابات 27 شتنبر 2002 على  42مقعد بمجلس النواب  أو الغرفة الأولى للبرلمان (المجلس التشريعي)، ويعد رأس المعارضة البرلمانية.

 

وكان الحزب قد دعم السنتين الاوليتين لحكومة التناوب تحت مصطلح جديد على القاموس السياسي والحزبي المغربي، وهو المساندة النقدية، وبعدما غير موقفه منها، اوضح انه سيعارضها معارضة ناصحة، وهي معارضة تعتمد منطق جديد تقول بموجبه  للحكومة احسنت عن أحسنت وأسات عن اسائت على حد تعبيرقيادات الحزب .

 

أحزاب "إدارية"

 

 ولدت وفي فمها معلقة من ذهب، لوجود يد للإدارة في تأسيس بعضها بادئ الامروعلى رأسها حزب الاتحدا الدستوري الذي أسسه رئيس الوزراء السابق المعطي بوعبيد سنة 1983 قبيل انتخابات 1984. وبعدما كان دائما مكونا أسياسيا للحكومة وصاحب مقاعد وفيرة بالبرلمان، تراجع حجمه بشكل واضح انطلاقا من سنة 1997، واضطر بعد انتخابات 2002 التشريعة أن يتحالف مع الحزب الوطني الديمقراطي، وهو من نفس الطينة انشق من حزب التجمع الوطني للاحرار سنة 1981 لتشكيل فريق نيابي.  وينضاف إليه الحزب المذكور"التجمع الوطني للأحرار" الذي أسسه  سنة 1978 أحمد عصمان صهر الملك الحسن الثاني رحمه الله، ووزير أول سابق، أغلب قياداته من رجال الاعمال ويمثل الطبقة البورجوازية، كان يحصل على أغلبية مقاعد مجلس لدرجة أنه حصل في الانتخابات الأولى بعد تأسيسه على 141 مقعد. غير أنه تراجع هو الآخر انطلاقا من سنة1997، إذ لم يحزسنة 2002 إلا  على 41 مقعدا،  مشارك في الحكومة الحالية، ولم يعرف معنى للمعارضة يوما منذ تأسيسه.

 

أحزاب منشقة

 

وهناك أحزاب وليدة اشقاقات ونذكر منها بالأساس:

 

- جبهة القوى الديمقراطية التي انشقت عن حزب التقدم والاشتراكية بعد وفاة زعيمه التاريخي علي يعته سنة 1997، يحسب أصحابه أنفسهم على اليسار، وكل مسلكياته وطروحاته تحيل على أنه حزب بدون هوية إيديولوجية واضحة.

 

 

- حزب الطليعة الديمقراطي، وخرج من رحم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة1989 نظرا للخلافات الإيدولوجية، محسوب على تيار المعارضة اليسارية الراديكالية نادى  بمقاطعة الانتخابات التشريعية لسنة أكثر من مرة.

 

- حزب المؤتمر الوطني الاتحادي وانشق عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

 

في تشرين الأول ـ أكتوبر ـ سنة 2001  بعدم خلاف قوي بين عبد الرحمن اليوسفي الكاتب الاول السابق للحزب والأمين العام للكنفدرالية الديمقراطية للشغل (نقابة الحزب وقوته الضاربة) محمد نوبير الأموي، انشقاق ترك الاتحاد الاشتراكي، بدون نقابة مما اضطره لتأسيس أخرى سماها الفديرالية الديمقراطية للشغل .

 

- الحزب الاشتراكي الديمقراطي وانشق عن حزب منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وتسعى بعض قياداته اليوم و بكل قواها في الاندماج في حزب الاتحاد الاشتراكي على رغم من عدم اقتناع  القواعد بذلك حسب مانشرته بعض المنابر الصحافية المغربية.

 

ويفسر المتابعون ظاهرة الانشقاق الحزبي بعدة تفسيرات وأسباب، ومنها نشوب خلافات سياسية وفكرية بين القيادات وربما التيارات داخل هذا الحزب أو ذاك، لايتسبعد أن يكون منشأها أحيانا ذا طبيعة شخصية، ترتبط بطموحات الأفراد، أو نتيجة ضغوط  يقال إن وزارة الداخلية على عهد إدريس البصري كانت تمارسها كنوع من العقاب على هذا الموقف ّأو ذاك.

 

- تيار الوفاء لليمقراطية و تحول لحزب انشق عن حزب الاتحاد الاشتراكي عقب المؤتمر الوطني السادس بزاعمة محمد الساسي رئيس الشبيبة الاتحادية سابق، وسيسعى اليوم للاندماج في حزب اليسار الاشتراكي الموحد.

 

أحزاب ما بعد 2001

 

بعد سنة 2001 وقبيل انتخابات 27 أيلول ـ سبتمبر ـ التشريعية، واستباقا لاحتمال خروج قانون يعقد شروط  تأسيس حزب سياسي، ظهرت على سطح المشهد الحزبي أحزاب جديدة بشكل لم يسبق له نظير،  بعضها نشأ نتيجة خلافات شخصية مع القيادة الحزبية لاعلاقة لها بالفكر ولا بالسياسة من قبيل  حزب الإصلاح والتنمية الذي خرج من رحم عرفه التجمع الوطني للأحرار،  وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي خرج من رحم حركة  أحرضان ّالحركة الوطنية الشعبية"، وحزب العهد التي خرجت مكوناته  من رحم حركة محمد العنصر (وزير الفلاحة في الحكومة الحالية) "الحركة الشعبيةّ" وحركة المحجوبي احرضان وكذا وحزب الاتحاد الديمقراطي الوليد الذي لم يكد يمضي على تاسيسه سنة. ثم  حزب البيئة والتنمية الذي يعتبر نفسه حزب "الخضر" في المغرب والذي انشق عن الحزب الوطني الديموقراطي.

 

أما الأحزاب الأخرى فتأسست لأول مرة وقال أصحابها إنهم يحملون أفكارا جديدة قادرة على  إعادة الاعتبار العمل السياسي، وتمثيل شرائح اجتماعية لم تجد نفسها في الأحزاب القائمة، ويتعلق الأمر بحزب القوات المواطنة الذي يمثل الوسط المالي والمقاولاتي بزعامة الامين العام السابق لرجال الأعمال والمقاولين المغاربة عبد الرحيم الحجوجي أغلب أعضائه من النخبة الاقتصادية ورجال المال والاعمال، وحزب  اتحاد الحريات بزعامة علي بلحاج، يراهن على فئة الشباب والفاعلين في المجتمع المدني،والحزب المغربي الليبرالي بقيادة محمد زيان، ليس له وجود ملحوظ في المغرب باستثناء  جهة الريف وشمال البلاد، عرف هو الآخر انشقاقا بعد ولادته بسنة تقريبان وهناك حزب التجديد والإنصاف مازال هو الآخر يبحث لنفسه عن موقع قدم بالحياة الحزبية المغربية .

 

وقد شكلت انتخابات 27 سبتمبر2002 صدمة كبيرة لعدد من الأحزاب الأخيرة المذكورة

 

إذ اثبتت النتائج التي حصلت عليها بأنه لاتمثل شيئا يذكر في المجتمع ومنها من لم يحصل على أي مقعد في البرلمان.

 

 نحو الوحدة

 

على عكس التوجه الانشقاقي السالف الذكر الذي ساد دخال بعض الأحزاب السياسية، بدأت بعض المبادرات الحزبية، ومن داخل الصف اليساري والاشتراكي، تتجه نحو تشكيل حزب يسار أو اشتراكي، بدأت أولى خطواته بتشكيل "حزب اليسار الاشتراكي الموحد" في تموز ـ يوليو ـ سنة 2002, باندماج وتوحد أربعة مكونات يسارية ؛ منظمة العمل الديمقراطي الشعبي والحركة من أجل الديمقراطية والديمقراطيون المستقلون والفعاليات اليسارية المستقلة.

 

ورغم  أن دعوات الوحدة والتكتل متواصلة لتجميع القوى اليسارية والاشتراكية، فإن تعدد خلفيات كل طرف وأهدافه، وقفت وستقف حجرة عثرة لتحويل الدعوة /الحلم  إلى واقع

 

ذلك لأن التيارات اليسارية الصغيرة من قبيل النهج الديمقراطي وهو الاتجاه المتشدد والوجه الجديد لمنظمة "إلى الأمام"، التي ظهرت سنة 1970،  يريد أن يتأسس الاتحاد أو التحالف على أسس إيديولوجية، والحال أن ذلك متعذر لأنه مازال يؤمن بالطروحات الماركسية اللينينية التي تجاوزها الكثير من اليساريين المغاربة، بل منهم  من بات مدافعا شرسا عن النيو ليبرالية، فضلا على أن لكل طرف رهانات معينة على الوحدة، بل إن الاتحاد الاشتراكي يعتبر نفسه هو المحضن الممكن لهذا الحزب الاشتراكي الكبير الذي يوحد العائلة اليسارية.

(1) تعليقات

مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات المعاصرة

أحمد صدقي الدجاني
 

في نطاق تناول موضوع "حقيقة الإسلام في عالم متغير"، الذي اختاره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر العربية، موضوعاً لمؤتمر الرابع عشر المنعقد بالقاهرة في ذكرى مولد رسول الله محمد (ص) لعام 1423 (20 ـ23/5/2002)، يأتي هذا البحث ليتشوف "مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات المعاصرة".

 

لقد تحدثت ورقة عمل المؤتمر في تقديمها لموضوعه عن "محاولات خلط للأوراق وربط ظالم بين الإسلام والإرهاب، في ظل ظروف ومتغيرات يعيشها عالمنا المعاصر وبخاصة بعد أحداث 11/9، واتهام العرب والمسلمين بمعاداة الحضارة وتشجيع الإرهاب". الأمر الذي يتطلب وقفة موضوعية تضع النقاط على الحروف بشأن حقيقة الإسلام، ونذكر أيضاً بعطاء الحضارة الإسلامية للحضارة الأوروبية، وبما قدمته هذه الحضارة  "من نموذج رائع للتعايش الإيجابي بين الأديان والحضارات". وانتهت الورقة إلى "أن هذا التوضيح والبيان يصب في نهاية الأمر في تحديد مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية وغيرها من الحضارات". وهذا ما استهدفه المحور الرابع من محاور المؤتمر الخاص بالرؤية المستقبلية الذي يتكامل مع محاور حقيقة الإسلام، والعلاقة بالآخر، والجهاد.

 بغية الوفاء بالمطلوب من بحثنا، سوف نمهد أولاً بحديث عن المفاهيم، ثم نتعرف على المشهد الحضاري العالمي والحضارة الإسلامية ضمنه، لنصل إلى تشوف مستقبل العلاقات بين حضارتنا الإسلامية والحضارات المعاصرة.

 أولاً: تمهيد

حديث عن المفاهيم

الحضارة الإسلامية هي واحدة من حضارات عالمنا المعاصر. ولها دائرتها الحضارية التي تضم د(((
 

))) يتخصص فيه، فيتأدب ــ على حد تعبير أجدادنا ــ آخذاً من كل علم بطرف، ويعتز المجتمع بثقافته التي يتفرد بها لكونها نتاج امتزاج فكري نفسي عاطفي يوجه الإنسان، كما لاحظ د.أذرشب في ندوة التعاون العربي الإيراني، ويمكن أن نضيف "وروحيّ" أيضاً. وقد قدر أحد الباحثين الغربيين "ميردوك" وجود ثلاثة آلاف ثقافة في عالمنا كما أورد هاري شابيرو في كتابه "نظرات في الثقافة"، وثقافة مجتمع ما تصور ــ كما لاحظ ويل ديورانت في موسوعته قصة الحضارة "عملية الانتخاب الطبيعي الذي تقوم به تجارب لا حصر لها ..؛ كما تصور حكمة الأجيال التي تعاقبت في المجتمع فتجمعت تراثاً غزيراً". ويلاحظ العلماء أن للدين تأثيراً قوياً على الثقافة، شأن اللغة. وانطلاقاً من هذا التعريف يمكن أن نتحدث عن "ثقافة النوبة" مثلاً في وادي النيل، ومثيلاتها هنا وهناك في عالمنا، باعتبارها "ثقافة محلية"، وعن "ثقافة قطرية" هي جامع للثقافات المحلية.

 

والحضارة في أبسط تعريفاتها هي "نمط من الحياة يتميز بخطوط وألوان من الرقي.. وتقوم في دائرة من الاتساع المكاني والبشري والزماني.. وتتضمن نظماً ومؤسسات وقيماً ومعاني تنطوي الحياة عليها". والحضارة بفعل ذلك كله تضم العديد من الثقافات القطرية، في "جامع مشترك" تفاعل فيه الإنسان مع المكان والزمان، وكونته عناصر "الدين بما يوفره من رؤية كونية"، و"لسان جامع مشترك إلى جانب ألسنة أخرى" و"تاريخ وعادات ونظم" في دائرة واسعة ينتمي إليها حضارياً كل البشر المقيمين في هذه الدائرة على اختلاف أقوامهم ومللهم وأنماط حياتهم وشرائحهم الاجتماعية، وقد عرف تاريخ الإنسان قيام عدد من الحضارات وازدهارها وأفول بعضها.

 

وعُمران

والعمران هو مصطلح اقترحه ابن خلدون في مقدمته للدلالة على نمط الحياة بوجه عام، جاعلاً إياه أحدث الخواص التي تميز بها الإنسان عن سائر الحيوانات، وهو التساكن والتنازل في مصر أو حلة للإنس بالعشير واقتضاء الحاجات لما في طباعهم من التعاون على المعاش. ومن هذا العمران ما يكون حضرياً ومنه ما يكون بدوياً. وقد استلهم ابن خلدون المصطلح من الهدى القرآني "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها". (هود 61). والعمران في اللسان العربي هو نقيض الخراب وعُمر الإنسان هو اسم لمدة عمارة البدن بالحياة، وهكذا يكون تعمير العالم المدلول الإيجابي للتغير، لأن التغيير يمكن أن يكون سلبياً فيغدو تخريباً. وقد آن الأوان ونحن ننظر في مستقبل الحضارة ونرى ما يتم باسم التحضر على صعيد الإخلال بالبيئة وبمحيطنا الحيوي وعلى صعيد الهندسة الوراثية أن نميز بين التعمير الحضاري وأي تخريب وأي تخريب في إطار الظاهرة الحضارية. وهذا ما دعا كاتب هذا الحديث إلى اقتراح مصطلح العمران الحضاري للدلالة على التوظيف الإيجابي لمنجزات الحضارية في كتابه "عمران لا طغيان".

 

ودائرة حضارية

في ضوء هذه المصطلحات الثلاثة الثقافة والحضارة والعمران، تتضح معالم مصطلح "الدائرة الحضارية" الذي يدل على حضارة نشأت وازدهرت، في رقعة من الأرض يسكنها أقوام وملل وشعوب وقبائل وأمم شاركوا في إقامتها وانتموا إليها بثقافاتهم المحلية والقطرية. وقد عني التاريخ الحضاري بدراسة الظاهرة الحضارية في الاجتماع الإنساني عبر العصور، وبالتعرف على المجتمعات الحضارية التي ظهرت فيه، وبتحديد دوائرها الحضارية، وذلك منذ أن أرسى قواعدها ابن خلدون. ووقف أرنولد توينبي في دراسته الجامعة "دراسة في التاريخ" أمام واحد وعشرين مجتمعاً حضارياً حفظ لنا التاريخ أخبارهم، ظهروا في مختلف القارات، أشار إلى مجتمعات توقفت عن النمو الحضاري مثل الإسكيمو، وانتهى إلى أن هناك سبعاً من الحضارات بقيت ولكل منها دائرته الحضارية.

 

إن تعدد الحضارات التي قامت في الاجتماع الإنساني حقيقة يكاد يجمع عليها المختصون بالتاريخ الحضاري من المؤرخين. وقد فند هؤلاء مقولة نفر من المؤرخين الغربيين الذي ظهروا في عصر الاستعمار الأوروبي التي زعمت وجود حضارة واحدة هي حضارة الغرب الوارثة لحضارة الإغريق والرومان، وكل من كان خارج دائرتها فهم "برابرة". وهو التعبير الذي أطلقه بعض الإغريق القدماء على غيرهم. وكان لتوينبي جهد بارز في هذا التفنيد، وهو الذي كتب "العالم والغرب"بهذا الهدف. ولافت أن التاريخ الحضاري شهد ازدهاراً في القرن العشرين الميلادي، في مختلف أنحاء عالمنا، أسهم فيه عدد من المؤرخين العرب والمسلمين. ويسجل كاتب هذا الحديث فضل بعض هؤلاء على جيله وعليه، ومنهم شكيب أرسلان ومالك بن نبي وجورج حداد استاذ الحضارة في الجامعة السورية في الخمسينيات وقسطنطين زريق وجمال حمدان الجغرافي المؤرخ وزكي نجيب محمود وأنور عبد الملك وآخرون. ولا يزال القول بحقيقة تعدد الحضارات في عالمنا اليوم هو الغالب، وإن برز رأي يقول بأن الحضارة الغربية باتت في عصر ثورة الاتصال التي نشهدها حضارة كونية، وقد أشار هنتنجتون في مقاله إلى ف.س.نايبول الذي طرح هذا الرأي وزعم أن حضارة الغرب كونية كلية تناسب كل الناس. وطرح هذا الرأي مؤخراً محمود أمين العالمالذي تساءل "هل هناك حضارات متعددة في عصرنا الحالي أم هناك حضارة واحدة؟" وأجاب "بأن الحضاري كان موجوداً طوال التاريخ الماضي، بينما تسود في عصرنا الراهن حضارة واحدة غربية المنشأ رأسمالية". وخالفه كثيرون شرحوا حقيقة تعدد الحضارات اليوم، ونجد مثلاً على ذلك في ندوة مجلة المستقبل العربي صراع حضارات أم تعدد ثقافات، في العدد 12/1988 التي شارك فيها معه السيد ياسين وأسامة خليل وقيس جواد العزاوي والحق أن تخلل بعض الإنجازات المادية الغربية الحضارات الأخرى، لا يعني انتهاء هذه الحضارات، لأن ما يميز بين حضارة وحضارة ثقافتها وقيمها ورؤاها الكونية، وما الإنجازات المادية الغربية إلا ثمرة الإنجازات المادية للحضارات جميعاً التي تراكمت عبر العصور، ولذا لاحظ دارس الحضارات سهولة انتقالها في إطار التفاعل الحضاري على عكس انتقال الأفكار. وقد فصل قسطنطين زريق شرح ذلك في حديثه عن تفاعل الحضارات.

 

عناصر الدائرة الحضارية

وبعد.. فإن مفهوم الدائرة الحضارية في ضوء ما سبق، ووفقاً للتعريف الذي أوردناه يتضمن عنصراً جغرافياً وآخر بشرياً سكانياً وعنصراً ثالثاً تراثياً ثقافياً حضارياً عمرانياً تحكمه رؤية كونية يوفرها الدين في غالب الأحيان والفلسفة الوضعية حيناً كما في العلمانية الغربية.

 

ثانياً: المشهد الحضاري العالمي وحقائق حضارتنا

ننظر في الدوائر الحضارية في عالمنا المعاصر. فنجد أن علماء التاريخ  الحضاري المعتمدين يطرحون آراء متقاربة بشأنها، مع اختلاف حول نقاط بعينها. فهم متفقون على حقيقة تعددها. وقد رأى أرنولد توينبي حوالي منتصف القرن العشرين أنها سبع دوائر بقيت من المجتمعات الحضارية التي تتبعها في "دراسته للتاريخ" وبلغت واحد وعشرين، وهذه الدوائر السبع الباقية هي الحضارة الغربية وتشمل عنده أوروبا والأمريكتين الشمالية والجنوبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة الهندوكية، والحضارة الصينية، والحضارة الكورية اليابانية، والحضارة المسيحية البيزنطية، والحضارة الأرثوذكسية المسيحية الروسية. وحين عمد صموئيل هنتنجتون إلى تحديد هذه الدوائر عند كتابة بحثه المثير للجدل حول صراع الحضارات في عام 1993، مستنيراً بدراسة توينبي الجامعة، ذكر الغربية، ولكنه أخرج منها أمريكا الجنوبية، وجعل لها فرعين فقط الأوروبي والأمريكي الشمالي، وقال بوجود حضارة أمريكا لاتينية في أمريكا الجنوبية. كما ذكر الحضارات الإسلامية، والهندوكية، والصينية التي سماها الكونفوشوسية، واليابانية والأرثوذكسية "السلافية" مستبدلاً هذا المصطلح بالروسية. وذكر أخيراً احتمال وجود حضارة أفريقية قائلاً "وربما الإفريقية". ونكتفي بتسجيل هذين الرأيين لشهرة كلا منهما في الغرب وفي العالم بعامة.

 

ثماني دوائر حضارية في عالمنا

الرأي الذي نطمئن إليه بعد إعمال فكر وإمعان نظر، هو أن هناك اليوم ثمان دوائر حضارية يمكن التمييز بينها تكشفها النظرة المحيطة، وتسود في كل منها حضارة غالبة لها خصائصها. فهناك الغربية بفرعيها الأوروبي والأمريكي الشمالي، والحضارة الأمريكية الجنوبية التي جاءت ثمرة تفاعل حضارة المستعمرين المستوطنين الغربية القادمين من شبه جزيرة أيبريا مع حضارة سكان البلاد الأصليين مع الحضارة الأفريقية المتأثرة بالحضارة الإسلامية، ونحن مع الرأي الذي يميزها عن الحضارة الغربية. وهناك الحضارة الهندوكية في الهند، وهناك الحضارة الأرثوذكسية السلافية في روسيا وأوروبا الشرقية الجنوبية. وهناك الحضارة الأفريقية السائدة في جنوب الصحراء في قارة أفريقيا، والحضارة الإسلامية بفروعها في آسيا وأفريقيا.

 

وقفة أمام دائرة الحضارة الأفريقية

يجدر الوقوف هنا لتأكيد حقيقة وجود دائرة حضارية أفريقية، وذلك في ضوء عدم ذكر توينبي لها وقول هنتنجتون باحتمال وجودها. والحق أن نظرة متأنية لتاريخ أفريقيا العام الذي جمعته منظمة اليونسكو في سبعة مجلدات في عهد مديرها العام أحمد مختار أمبو، تؤكد أن هذه الحضارة كانت قائمة في أنحاء مختلفة من أفريقيا قبل حلول كارثة الاستعمار الأوروبي للقارة والنهب الاستعماري لها والذي شمل فيما شمل الكثير من الوثائق المكتوبة. وقد تفاعلت هذه الحضارة مع الحضارة الإسلامية بفرعها الأفريقي بخاصة الذي عم أفريقيا شمال الصحراء وشرق أفريقيا، فجرى استخدام الحرف العربي أحياناً في كتابة لغات أفريقية. وهناك اليوم صحوة علمية إزاء هذه الحضارة يتوقع لها أن تكشف الكثير عنها، كما كشفت البحوث العلمية الغربية ازدهار حضارة أمريكا قبل كولمبس المكسيكية والانكا والإنديز والمايا. والأمل أن تسهم مراكزنا العلمية الثانية. وكم طاب لي مؤخراً حين التقيت بأخي أحمد مختار أمبو زميلي في أكاديمية المملكة المغربية أن استزيد من علمه بهذه الحضارة، فسمعت منه ما يستحق حديثاً مفصلاً ليس هذا مجاله.

 

حلقات مركزية وتخوم

حين نتأمل كلاً من هذه الدوائر الحضارية نلاحظ وجود حلقة مركزية فيها تحيط بها حلقات تنتهي بمحيط الدائرة الذي هو تخومها مع بقية الدوائر. وللحلقة المركزية موقع متميز، كما أن للتخوم أهميتها. وفي دائرتنا الحضارية الإسلامية يمثل جزء من الوطن العربي هذه الحلقة المركزية فيها مصر وفلسطين وبلاد الشام والعراق والجزيرة العربية، وتخوم الدائرة تقوم مع الدوائر الأفريقية والهندوكية والصينية والغربية والأرثوذكسية السلافية، في قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا.

إن تخوم أي دائرة حضارية يمكن أن تكون مناطق وصل بين الحضارات في عهود السلم، كما يمكن أن تكون مناطق فصل في عهود الحرب حين تنشب نزاعات وتحتدم صراعات. ووفقاً للرؤية الكونية التي تحكم الحضارة تكون النظرة إلى هذه التخوم ويكون التعامل معها. ولقد تجلى هذا الأمر في الفرضية التي انطلق منها صموئيل هنتنجتون في كتابه "صدام الحضارات" مؤخراً. والفرضية التي قدمها هي بكلماته "أن المصدر الأساسي للنزاعات في هذا العالم الجديد لن يكون مصدراً (((

 

))) وسيسطر الصدام بين الحضارات على السياسات الدولية. وبذلك ستكون الخطوط الفاصلة بين الحضارات هي خطوط المعارك في المستقبل". فالرؤية هنا تحكمها فكرة "الصراع" ولذا أصبحت النظرة إلى التخوم على أنها خطوط معارك بين الدوائر الحضارية. وعلى العكس من ذلك حين تكون الرؤية الكونية محكومة بفكرة أن الله جل وعلا خالق كل شيء خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ومن ثم ليتعاونوا على البر والتقوى، فإن النظر إلى التخوم تصبح على أنها مناطق وصل بين الدوائر الحضارية وليس مناطق فصل. وهذا هو الشأن في حضارتنا الإسلامية التي ظهر فيها رمز "السندباد" البحري والبري. فالتعارف والتعاون على البر والتقوى هو الأصل بين العلاقات بين الدوائر الحضارية والاستثناء هو الصراع يحدث "طغيان" يبغي بغير حق.

 

موقع دائرتنا الحضارية

في ضوء ما سبق يتضح مكان دائرة الحضارة الإسلامية من دوائر حضارات عالمنا المعاصر وبينها. فهي واحدة منها تجاور خمسة أخرى، وهي تمتد في قلب المساحة التي تشغلها قارات عالمنا الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهي تشهد من ثم تفاعلات حضارية قوية. كما يتضح أيضا موقع وطننا العربي في هذه الدائرة، في مركزها وفي طرفها الغربي حتى شاطئ الأطلسي.

 

وقفة أمام اسم دائرة الحضارة الإسلامية

في ختام هذا الجزء من حديثنا نستشعر الحاجة إلى وقفة أمام الأسماء الشائعة للدوائر الحضارية ومن بينها اسم حضارتنا. ويلفتنا أن بعضها سمي بمكان الدائرة، وواحدة وفق الجهة، وبعض برز في اسمه الدين الغالب. فالأفريقية والأمريكية الجنوبية واليابانية أعطى المكان أسماؤها. والغربية نسبة إلى الغرب وكانت قبل امتدادها أمريكا الشمالية تعرف الأوروبية نسبة إلى المكان. والهندوكية نسبة إلى الدين الغالب. والكونفوشوسية الصينية والأرثوذكسية السلافية برز في اسميهما الدين والأقوام. أما الإسلامية فأخذت اسمها من الإسلام. وقد حبذ بعض مؤرخي الحضارات العرب إضافة كلمة العربية الإسلامية. وذلك للإشارة إلى أن اللسان العربي الذي أنزل به القرآن الكريم كان لغة التعبير الأولى، وأن للعرب دور في حمل رسالة الإسلام ونشرها، كما أن لوطنهم مكان مركزي في هذه الدائرة الحضارية. ويحبذ آخرون الاقتصار على كلمة الإسلامية تجنباً لإثارة حساسيات الانتماءات القومية في هذا العصر الذي قامت فيه الدول القطرية، وتوخياً للاختصار.

 

واضح أن للرؤية الكونية، ديناً كانت أو فلسفة، مكان خاص ودور خاص في كل هذه الحضارات، سواء منها من حملت اسماً يشير إلى الدين الغالب أو من لم تحمل. ومعلوم أن للبوذية والشنتوية مكانهما في الحضارة اليابانية، شأن المسيحية الكاثوليكية في الأمريكية الجنوبية، شأن الأديان الأفريقية في الأفريقية، وهذه تستحق أن ندرسها. وإذا كانت العلمانية بفلسفاتها غلبت على الحضارة الغربية في القرنين الأخيرين إلا أن المسيحية بمذهبها الكاثوليكي ونحلها المتفرعة من المذهب البروتستانتي كان لها تأثيرها الفعال فيها. وهذا ما نراه في أوروبا المتوسط حيث الكاثوليكية وفي الشمال الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وكندا حيث تنتشر النحل البروتستانتية .

 

بقي أن نقول إن بروز الرؤية الكونية المؤمنة في الحضارة الإسلامية لدى المسيحيين والمسلمين المؤمنين بالله جعل كثيرين في الغرب يستعملون كلمة "الإسلام" للدلالة على هذه الحضارة بجميع من ينتمي إليها. وذا هو المدلول الحضاري لكلمة الإسلام يضاف إلى مدلول رسالة الإسلام الخاتمة ورسالات الإسلام التي سبقت.

 

حرب العولمة الجارية

نتابع التعرف على المشهد الحضاري لعالمنا المعاصر‘ فأجد عند كتابة هذه السطور في مطلع الأسبوع الثاني من شهر أبريل نيسان 2002، محرم 1423 أن دائرتنا الحضارية مستهدفة بحرب العولمة التي يشنها العولميون "القارونيون الجدد" عليها بقيادة الإدارة الأمريكية. وفي نطاق هذه الحرب يقوم جيش المستعمرين المستوطنين الصهاينة العنصريين منذ  /3/2002 بحرب إبادة على الشعب العربي الفلسطيني تستهدف إخضاعه وإخضاع الأمة وإنهاء انتفاضة الأقصى ضد الاحتلال الإسرائيلي ضد الاحتلال الإسرائيلي لوطنه وللقدس التي أكملت شهرها الثامن عشر وذلك عد أن أعلنت الإدارة الأمريكية يوم 11/3 بدء المرحلة الثانية في هذه الحرب. وكانت قد باشرت المرحلة الأولى في أفغانستان في 7/10/2001 إثر زلزلة 11/9/2001 التي أصابتها. ويواجه الشعب العربي الفلسطيني هذه الحرب بمقاومة بطولية للمستعمر المستوطن الصهيوني تمنع في نطاق ظاهرة المقاومين لطغيان العولمة وطغوتها وهيمنتها. وقد فصلنا عن هذه الحرب في بحث مستقل.

 

المشهد الحضاري وتأملات فيه

إن المشهد الحضاري لعالمنا المعاصر اليوم مستمر في خطوطه الأساسية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وقد سبق أن وقفنا أمامه في مطلع عقد تسعينات القرن العشرين في كتابنا "عُمران لا طغيان" فوجدنا بداية مناخاً من نوع خاص مخيم عليه فيه ما يبعث على التفاؤل والكثير مما يبعث على التشاؤم. وقد أشارت السيدة فرو هارلم برونتلاند رئيسة اللجنة العالمية للبيئة والتنمية إلى هذا المناخ في مقدمتها لتقرير اللجنة الذي صدر مؤخراً باسم مستقبلنا المشترك، فذكرت كيف وقعت مآس عدة خلال إعداد التقرير مثل المجاعات الأفريقية، وتسرب الغاز في مصنع المبيدات في بوبال بالهند، والكارثة النووية في تشيرنوبيل في الاتحاد السوفيتي، بينما أزمة الديون تفعل فعلها في الدول (((((
 

 )))) تقرير مستقبلنا المشترك أضواء على واقع عالمنا الحضاري، شأن كثير من التقارير الأممية والدراسات التي صدرت حديثاً. فهناك إيجابيات في هذا الواقع يوقف أمامها فنحن نستطيع أن ننقل المعلومات والبضائع عبر كوكبنا بأسرع مما كان في أي وقت مضى، ونستطيع أن ننتج غذاءً أكثر باستثمار موارد أقل، وتقدم لنا تكنولوجيتنا وعلومنا، على الأقل، القدرى على النظر بصورة أعمق في أنظمة الطبيعة وفهمها بشكل أفضل. ومن الفضاء نستطيع أن نرى وندرس الأرض كنظام تتوقف صحته على صحة جميع أجزائه. ونحن نملك القدرة على المواءمة ما بين الجهود البشرية وقوانين الطبيعة، ونؤمن ازدهار خلال ذلك وفي هذا يستطيع تراثنا الثقافي والروحي أن يعزز مصالحنا الاقتصادية ويدعم ضرورات بقائنا. وهناك في هذا الواقع نجاحات منها انخفاض معدلات الوفيات بين الأطفال، والزيادة في طول أعمار الناس، وارتفاع نسب البالغين القادرين على القراءة والكتابة في العالم، ونسبة الأطفال الذين يدخلون المدرسة، وزيادة الإنتاج العالمي للغذاء بأسرع من نمو السكان. لكن هذه العمليات نفسها التي أد