مجلة النور
وبينما كان خط الأحزاب التي ظهرت قبل الاستقلال هو تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي فإن حصول المغرب على الاستقلال سنة1956 سيطرح على الأحزاب السياسية ضرورة تحديد منظوماتها الفكرية والمرجعية، خاصة في ظل الصراع الدي سينشأ بين المؤسسة الملكية أو مايعرف بالقصر، وحزب الاستقلال لكونه أقوى حزب يومها من جهة ولكونه، حرص على تبني إستراتيجية الحزب الوحيد، وبالتالي القضاء على الأحزاب الأخرى دمجا أو محاصرة. وقد استطاع في مرحلة معينة استيعاب ودمج بعض الاحزاب فيما عارضت توجهه أحزاب أخرى وخاصة ذات المرجعية الماركسية اليسارية بشكل عام. فضلا عن القصر الذي سعى إلى تشجيع التعددية الحزبية، بحيث سيولد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من رحم حزب الاستقلال بعد خلافات إيديلوجية وفكرية وسياسية حادة، وسيتأسس حزب "الحركة الشعبية" في نفس السنة. وماسبق سيفتح الباب أمام تشكل أحزاب جديدة إما بفعل الانقسامات داخل الأحزاب السياسية او بفعل تدخل الإدارة في شخص وزارة الداخلية يومها، وصناعة بعض الأحزاب السياسية التي تصفها المعارضة اليسارية بالأحزاب الإدارية، وقد تكاثرت الاحزاب بالمغرب وتناسلت حتى وصل عددها اليوم إلى حوالي 36 حزبا سياسيا ويمكن تقسيمها على الشكل التالي: أحزاب يسارية تاريخية: شكلت ولفترة مهمة المعارضة وخاض بعضها صراعا مع المؤسسة الملكية حول السلطة ويتعلق الأمر بالأساس بحزب الاتحاد الاشتراكي الذي انفصل سنة 1975 عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والذي خرج بدوره من رحم حزب الاستقلال. وقد انتقل الحزب من المعارضة إلى ممارسة الحكم سنة1997 في مايعرف بحكومة التناوب التي قادها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي الكاتب الاول السابق للحزب. ومازال الاتحاد الاشتراكي مكونا أساسيا في الحكومة المغربية الحالية، ثم هناك حزب التقدم والاشتراكية الذي كان يحمل قبل الاستقلال وإلى غاية سنة 1974، اسم الحزب الشيوعي المغربي، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي تأسست بشكل رسمي سنة عام 1983، وطلق مناضلوها توجه حركة 23 مارس الماركسية اللينية، وقد انشق عن حزب المنظمة سنة 1996 الحزب الاشتراكي الديمقراطي. و شكلت المنظمة المذكورة سنة 2002 تحالفا مع ثلاثة أحزاب يسارية سموه بـ "حزب اليسار الاشتراكي الموحد". أحزاب محافظة: وعلى رأسها حزب الاستقلال، شارك في حكومات متعددة، كما مر من تجربة موقع المعارضة إلى جانب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ثم حزب الحركة الشعبية التي أسسها الدكتور عبد الكريم الخطابي و أحرضان المحجوبي في فبراير 1959، غير أنهما اختلفا سنة 1966 فأسس الأول الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية . وفي تشرين الأول ـ أكتوبر ـ 1986 انشق عن حزب حرضان فصيل بزعامة محمد العنصر واحتفظوا بنفس الإسم مما اضطره لتغيير الإسم الحركة الوطنية الشعبية. وهناك من يصف أحزاب الحركة الشعبية بالاحزاب الإدارية ويرفض اعتبارها محافظة او يمينية على اعتبرا انها نسخة متشابهة ومرجعيتها واحدة لم تمارس المعارضة ن وظلت دائما تشارك في التشكيلات الحكومية باستثناء فترة معينة. أما حزب الخطيب الذي يعده البعض رجل القصر بامتياز فقد استطاع ان يخلق مسافة مع حركة احرضان من خلال بعض مطالبه ذات الصبغة الإسلامية، ورفض زعيمه لفرض حالة الاستثناء سنة 1965 يوم كان رئيسا للبرلمان، وهو ما سيجعله قبلة للإسلاميين في شخص حركة الإصلاح والتجديد في البداية، وخاصة بعدما رفضت السلطات طلبهم بتاسيس حزب التجديد الوطني سنة 1992، وبعد مفاوضات مع الدكتور الخطيب قبل هذا الاخير دخول الإسلاميين للعمل في حزبه كاعضاء وأفراد وبدأ ذلك يتبلور بشكل عملي سنة 1996 التي ستوافق اندماج حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي في حركة واحدة هي حركة التوحيد والإصلاح، وفي سنة 1998 تم الاتفاق تغيير الإسم من " الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية" إلى "حزب العدالة والتنمية" وهو الحزب الذي يشكل ثالث قوة سياسية في المغربن حصل في انتخابات 27 شتنبر 2002 على 42مقعد بمجلس النواب أو الغرفة الأولى للبرلمان (المجلس التشريعي)، ويعد رأس المعارضة البرلمانية. وكان الحزب قد دعم السنتين الاوليتين لحكومة التناوب تحت مصطلح جديد على القاموس السياسي والحزبي المغربي، وهو المساندة النقدية، وبعدما غير موقفه منها، اوضح انه سيعارضها معارضة ناصحة، وهي معارضة تعتمد منطق جديد تقول بموجبه للحكومة احسنت عن أحسنت وأسات عن اسائت على حد تعبيرقيادات الحزب . أحزاب "إدارية" ولدت وفي فمها معلقة من ذهب، لوجود يد للإدارة في تأسيس بعضها بادئ الامروعلى رأسها حزب الاتحدا الدستوري الذي أسسه رئيس الوزراء السابق المعطي بوعبيد سنة 1983 قبيل انتخابات 1984. وبعدما كان دائما مكونا أسياسيا للحكومة وصاحب مقاعد وفيرة بالبرلمان، تراجع حجمه بشكل واضح انطلاقا من سنة 1997، واضطر بعد انتخابات 2002 التشريعة أن يتحالف مع الحزب الوطني الديمقراطي، وهو من نفس الطينة انشق من حزب التجمع الوطني للاحرار سنة 1981 لتشكيل فريق نيابي. وينضاف إليه الحزب المذكور"التجمع الوطني للأحرار" الذي أسسه سنة 1978 أحمد عصمان صهر الملك الحسن الثاني رحمه الله، ووزير أول سابق، أغلب قياداته من رجال الاعمال ويمثل الطبقة البورجوازية، كان يحصل على أغلبية مقاعد مجلس لدرجة أنه حصل في الانتخابات الأولى بعد تأسيسه على 141 مقعد. غير أنه تراجع هو الآخر انطلاقا من سنة1997، إذ لم يحزسنة 2002 إلا على 41 مقعدا، مشارك في الحكومة الحالية، ولم يعرف معنى للمعارضة يوما منذ تأسيسه. أحزاب منشقة وهناك أحزاب وليدة اشقاقات ونذكر منها بالأساس: - جبهة القوى الديمقراطية التي انشقت عن حزب التقدم والاشتراكية بعد وفاة زعيمه التاريخي علي يعته سنة 1997، يحسب أصحابه أنفسهم على اليسار، وكل مسلكياته وطروحاته تحيل على أنه حزب بدون هوية إيديولوجية واضحة. - حزب الطليعة الديمقراطي، وخرج من رحم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة1989 نظرا للخلافات الإيدولوجية، محسوب على تيار المعارضة اليسارية الراديكالية نادى بمقاطعة الانتخابات التشريعية لسنة أكثر من مرة. - حزب المؤتمر الوطني الاتحادي وانشق عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في تشرين الأول ـ أكتوبر ـ سنة 2001 بعدم خلاف قوي بين عبد الرحمن اليوسفي الكاتب الاول السابق للحزب والأمين العام للكنفدرالية الديمقراطية للشغل (نقابة الحزب وقوته الضاربة) محمد نوبير الأموي، انشقاق ترك الاتحاد الاشتراكي، بدون نقابة مما اضطره لتأسيس أخرى سماها الفديرالية الديمقراطية للشغل . - الحزب الاشتراكي الديمقراطي وانشق عن حزب منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وتسعى بعض قياداته اليوم و بكل قواها في الاندماج في حزب الاتحاد الاشتراكي على رغم من عدم اقتناع القواعد بذلك حسب مانشرته بعض المنابر الصحافية المغربية. ويفسر المتابعون ظاهرة الانشقاق الحزبي بعدة تفسيرات وأسباب، ومنها نشوب خلافات سياسية وفكرية بين القيادات وربما التيارات داخل هذا الحزب أو ذاك، لايتسبعد أن يكون منشأها أحيانا ذا طبيعة شخصية، ترتبط بطموحات الأفراد، أو نتيجة ضغوط يقال إن وزارة الداخلية على عهد إدريس البصري كانت تمارسها كنوع من العقاب على هذا الموقف ّأو ذاك. - تيار الوفاء لليمقراطية و تحول لحزب انشق عن حزب الاتحاد الاشتراكي عقب المؤتمر الوطني السادس بزاعمة محمد الساسي رئيس الشبيبة الاتحادية سابق، وسيسعى اليوم للاندماج في حزب اليسار الاشتراكي الموحد. أحزاب ما بعد 2001 بعد سنة 2001 وقبيل انتخابات 27 أيلول ـ سبتمبر ـ التشريعية، واستباقا لاحتمال خروج قانون يعقد شروط تأسيس حزب سياسي، ظهرت على سطح المشهد الحزبي أحزاب جديدة بشكل لم يسبق له نظير، بعضها نشأ نتيجة خلافات شخصية مع القيادة الحزبية لاعلاقة لها بالفكر ولا بالسياسة من قبيل حزب الإصلاح والتنمية الذي خرج من رحم عرفه التجمع الوطني للأحرار، وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي خرج من رحم حركة أحرضان ّالحركة الوطنية الشعبية"، وحزب العهد التي خرجت مكوناته من رحم حركة محمد العنصر (وزير الفلاحة في الحكومة الحالية) "الحركة الشعبيةّ" وحركة المحجوبي احرضان وكذا وحزب الاتحاد الديمقراطي الوليد الذي لم يكد يمضي على تاسيسه سنة. ثم حزب البيئة والتنمية الذي يعتبر نفسه حزب "الخضر" في المغرب والذي انشق عن الحزب الوطني الديموقراطي. أما الأحزاب الأخرى فتأسست لأول مرة وقال أصحابها إنهم يحملون أفكارا جديدة قادرة على إعادة الاعتبار العمل السياسي، وتمثيل شرائح اجتماعية لم تجد نفسها في الأحزاب القائمة، ويتعلق الأمر بحزب القوات المواطنة الذي يمثل الوسط المالي والمقاولاتي بزعامة الامين العام السابق لرجال الأعمال والمقاولين المغاربة عبد الرحيم الحجوجي أغلب أعضائه من النخبة الاقتصادية ورجال المال والاعمال، وحزب اتحاد الحريات بزعامة علي بلحاج، يراهن على فئة الشباب والفاعلين في المجتمع المدني،والحزب المغربي الليبرالي بقيادة محمد زيان، ليس له وجود ملحوظ في المغرب باستثناء جهة الريف وشمال البلاد، عرف هو الآخر انشقاقا بعد ولادته بسنة تقريبان وهناك حزب التجديد والإنصاف مازال هو الآخر يبحث لنفسه عن موقع قدم بالحياة الحزبية المغربية . وقد شكلت انتخابات 27 سبتمبر2002 صدمة كبيرة لعدد من الأحزاب الأخيرة المذكورة إذ اثبتت النتائج التي حصلت عليها بأنه لاتمثل شيئا يذكر في المجتمع ومنها من لم يحصل على أي مقعد في البرلمان. نحو الوحدة على عكس التوجه الانشقاقي السالف الذكر الذي ساد دخال بعض الأحزاب السياسية، بدأت بعض المبادرات الحزبية، ومن داخل الصف اليساري والاشتراكي، تتجه نحو تشكيل حزب يسار أو اشتراكي، بدأت أولى خطواته بتشكيل "حزب اليسار الاشتراكي الموحد" في تموز ـ يوليو ـ سنة 2002, باندماج وتوحد أربعة مكونات يسارية ؛ منظمة العمل الديمقراطي الشعبي والحركة من أجل الديمقراطية والديمقراطيون المستقلون والفعاليات اليسارية المستقلة. ورغم أن دعوات الوحدة والتكتل متواصلة لتجميع القوى اليسارية والاشتراكية، فإن تعدد خلفيات كل طرف وأهدافه، وقفت وستقف حجرة عثرة لتحويل الدعوة /الحلم إلى واقع ذلك لأن التيارات اليسارية الصغيرة من قبيل النهج الديمقراطي وهو الاتجاه المتشدد والوجه الجديد لمنظمة "إلى الأمام"، التي ظهرت سنة 1970، يريد أن يتأسس الاتحاد أو التحالف على أسس إيديولوجية، والحال أن ذلك متعذر لأنه مازال يؤمن بالطروحات الماركسية اللينينية التي تجاوزها الكثير من اليساريين المغاربة، بل منهم من بات مدافعا شرسا عن النيو ليبرالية، فضلا على أن لكل طرف رهانات معينة على الوحدة، بل إن الاتحاد الاشتراكي يعتبر نفسه هو المحضن الممكن لهذا الحزب الاشتراكي الكبير الذي يوحد العائلة اليسارية.
في الحقيقة، كان الخلاف بين الطرفين كاشفا عنا بقدر ما كان كاشفا عن الخلاف الأصلي حول الرسوم الدنماركية، وما يهمني هنا هو كشف ما انكشف عنا لعل فيه صلاحا وعبرة. فقد كان مثيرا للغاية ذلك السؤال الاستنكاري الذي طرحه شيخنا القرضاوي عمن يمثل الأستاذ عمرو خالد وكيف أنه لا يعبر عن جماعة العلماء ولا عن جماعة المسلمين. الكشف هنا هو عن موضوع «التمثيل» فكلما ذهب عربي أو مسلم إلى بلاد الغرب، أو بلاد العالم الأخرى في غير دار الإسلام، معبرا عن رأي في ندوة أو مؤتمر، ساعيا إلى حوار أو إلى تفاهم أو شرح لموقف أو فكر أو سلوك لدينا، يقفز فورا جمع معارض طارحا ذلك السؤال عمن يمثل، ومن الذي فوضه للقيام بالمهمة وكأنه لا يستطيع فرد أو جماعة قول ما يقولون إلا إذا جرت انتخابات عامة، أو بيعة ثقة، في كل البلاد الإسلامية من إندونيسيا إلى المغرب تعطيه الحق في القيام بالمهمة.
مثل هذا الحق لا يوجد مثيل له بين الأمم والشعوب الأخرى. وفي الدولة الإسلامية الأولى خرج الرعاة والتجار والرحالة من كل نوع ومن كل طائفة ينشرون الفكر مع كلمة الله لشعوب وقبائل وجماعات كان منهم من آمن ومنهم من بقي على إيمانه الآخر؛ وساعتها لم يطلب منهم أحد وثائق للتمثيل كتلك التي يقدمها السفراء المعتمدون قبل قيامهم بالمهام الدبلوماسية. ولا كان ذلك موجودا لدى الشعوب المستقبلة للرسل والجماعات التي تحمل الرسالة، وكان مفهوما دوما أن هؤلاء لا يمثلون أحدا إلا أنفسهم حسب ما يتمتعون به من صدق وسلامة مقصد وإخلاص للحق والحقيقة. ومن المؤكد ـ كما سبق في التاريخ أنه عند وصول الأستاذ عمرو خالد إلى كوبنهاغن مع من شاركه فكره من العلماء ـ أنه لن يوجد في العاصمة الدنماركية وفي دول الجماعة الأوروبية أو الغرب كله من سوف يعتقد أن الرجل ومن معه يمثلون الأمة الإسلامية كلها بما فيها من اختلافات وتنوعات؛ وأنهم يتصرفون مثل جماعات غربية كثيرة من المبشرين بالأفكار، والواصلين غير المفرقين بين الناس.
الكشف الثاني جاء من تقدير قيمة «الغضب» الذي ميعه وبعثره وأطفأ حماسته وفرقه أشتاتا زيارة قام بها شاب داعية ومعه طائفة من الدعاة تداعوا لإطفاء حريق قبل أن يمتد من حرق السفارات الدنماركية إلى حرق السفارات العربية والإسلامية، ومقاطعة البضائع الدنماركية والغربية إلى مقاطعة القليل من البضائع العربية والإمدادات للدول العربية والإسلامية من أول الدواء حتى طائرات نقل الحجاج. هذا الغضب يعكس الفارق الهائل وغير المعروف لدى جماعة منا بين «تسجيل المواقف» و«السياسة» و«الرسالة»؛ ويكاد تسجيل المواقف يتخطاها جميعا في كل الاختبارات التي تأتي إلينا من أول القضية الفلسطينية وحتى الرسوم الدنماركية. فالقضية لا تصير كيف تكسب المعركة، ولا كيف تحرر أرضا، ولا كيف تزيد من حلفائك، ولا كيف تحسن وضعك، وإنما المسألة هي كيف تسجل المواقف زاعقا حانقا بغضب يمتد تدريجيا من المظاهرات السلمية حتى يصل إلى الحرق والعنف مهما كانت احتجاجات وتحفظات الدكتور يوسف القرضاوى. هذا يختلف تماما عن «السياسة» التي تسعى لتغيير المواقف المسيئة لدى الأطراف الأخرى، ليس من خلال صراع الحضارات، أو التجهيز للعمليات الانتحارية/ الاستشهادية بالحديث عن افتداء رسول الله ـ صلعم ـ بالروح، وإنما افتداء النبي العظيم بالعقل حيث يستخدم القانون والحوار والدبلوماسية والضغوط الآخذة توازنات القوى في الاعتبار لوضع الحادثة في مكانها الصحيح حين تعبر عن حالة فردية نابعة من جماعة مأفونة. وهذا ـ أخيرا ـ يختلف تماما عن الرسالة، ولو فكرنا ماذا كان سيفعل رسول الله من تبشير وبشارة لو وقعت له حادثة مثل هذه من واحد في الدنمارك يعلم أنه مثل غيره من أهل الأرض من موضوعات الهداية والدعوة ووضع الاختيار والاختبار بين البشر والسفهاء؟. وكان ذلك ما فعله تحديدا عمرو خالد وجماعته، معبرا عن نفسه، وعن اعتقاده وفهمه الصحيح للملة التي لا تفوض أحدا للحديث باسمها وإنما أعطت الجميع الحق في الاجتهاد فكرا وممارسة. ولكن فكرة «الغضب» تذهب لأبعد بكثير من مجرد تسجيل المواقف في الحادثة الدنماركية، كما أنها أعمق بكثير من حتى الذين عبروا عنها بمناسبة زيارة داعية شاب لبلد فسد فيه سفيه، وإنما تبدو سلوكا سياسيا مفضلا لدى جماعات كثيرة إسلامية وقومية وراديكالية في العموم. ويرى عدد غير قليل من المفكرين العرب والمسلمين أن الغضب والتعبير عنه هو واحد من الفضائل المعبرة عن صحة الأمة وعافيتها بل وإعادة الاعتبار للنخوة فيها. ويعد ذلك حالة عربية خالصة. فسواء كان الأمر يخص علم النفس العام أو علم النفس السياسي، فإن الغضب ليس حالة صحية على إطلاقها، كما أنه يشوش السلوك في السياسة والممارسة الاجتماعية، وكثيرا ما تستبعد المسؤولية عن الطلاق أو القتل إذا ما اختلط الغضب بنوع من غياب العقل. ولكن دون الوصول إلى هذه الدرجة فإن هناك جزما بأن الغضب لا يساعد على الحكم السليم، ولا تزيد قيمته عن التنفيس لفترة زمنية بعدها يعود الإنسان منهكا إلى النقطة الأولى التي كان عندها من دون أن يتحرك خطوة واحدة في القضية التي غضب بشأنها.
وفي بعض الأحيان، فإنه يصل إلى نقطة أسوأ، وفي بداية القصة الدنماركية كان لدينا حدث فاسد واحد في دولة صغيرة، ولكن بعد شهور من الواقعة وبتأثير من الغضب وتسجيل المواقف كان الحدث الفاسد يغرق الدنيا كلها شرقا وغربا، وبدلا من تحسين صورة الإسلام إذا بها تنتهي إلى صورة أسوأ كما كشفت عن ذلك استطلاعات للرأي جرت أخيرا في الولايات المتحدة، كشفت عن أن 46% من الأمريكيين لديهم صورة سلبية عن الإسلام ـ وهي نسبة أعلى بسبع نقاط عما كان عليه الوضع في أعقاب الهجوم الإرهابي على مركز التجارة العالمية، بينما 43% لديهم صور إيجابية عنه. وارتفعت نسبة من يعتقدون أن الإسلام دين يحرض على العنف من 14% عام 2002 إلى 33% الآن، فهل يكون الغضب نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أم خذلانا له؟















