حنـــــــــــان بنـــــــــــاصر
Escucha, hermano, la canción de la alegría; el canto alegre del que espera un nuevo día. VEN, CANTA, SUENA CANTANDO, VIVE SOÑANDO EL NUEVO SOL EN QUE LOS HOMBRES VOLVERAN A SER HERMANOS.

بانوراما الاحزاب السياسية المغربية

مجلة النور

 
انطلق العمل الحزبي بالمغرب  في فترة الاستعمار في سنة 1934، حيث اعتمدت الحركة الوطنية المغربية العمل الحزبي كأداة لتحركها السياسي، ومن تم فقد ارتبط العمل الحزبي بالمغرب بالمقاومة وحركة التحرير  في شخص"كتلة العمل الوطني" التي تعد أول حزب سياسي مغربي أسست ضدا على إلحاق فرنسا للمغرب بوزارة المستعمرات، ثم تأسس بعد ذلك حزب الاستقلال  في كانون الأول ـ ديسمبر ـ 1943.

 

وبينما كان خط الأحزاب التي ظهرت قبل الاستقلال هو تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي

 

فإن حصول المغرب على الاستقلال سنة1956 سيطرح على الأحزاب السياسية ضرورة تحديد منظوماتها الفكرية والمرجعية، خاصة في ظل الصراع الدي سينشأ بين المؤسسة الملكية أو مايعرف بالقصر، وحزب الاستقلال لكونه أقوى حزب يومها من جهة ولكونه، حرص على تبني إستراتيجية الحزب الوحيد، وبالتالي القضاء على الأحزاب الأخرى دمجا أو محاصرة.

 

وقد استطاع في مرحلة معينة استيعاب ودمج بعض الاحزاب فيما عارضت توجهه أحزاب أخرى وخاصة ذات المرجعية الماركسية اليسارية بشكل عام. فضلا عن القصر الذي سعى إلى تشجيع التعددية الحزبية، بحيث سيولد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من رحم حزب الاستقلال بعد خلافات إيديلوجية وفكرية وسياسية حادة، وسيتأسس حزب "الحركة الشعبية" في نفس السنة.

 

وماسبق سيفتح الباب أمام تشكل أحزاب جديدة إما بفعل الانقسامات داخل الأحزاب السياسية او بفعل تدخل الإدارة  في شخص وزارة الداخلية يومها، وصناعة بعض الأحزاب السياسية التي تصفها المعارضة اليسارية بالأحزاب الإدارية،  وقد تكاثرت الاحزاب بالمغرب وتناسلت حتى  وصل عددها اليوم إلى حوالي 36 حزبا سياسيا ويمكن تقسيمها على الشكل التالي:

 

أحزاب يسارية تاريخية:

 

شكلت ولفترة مهمة المعارضة وخاض بعضها صراعا مع  المؤسسة الملكية حول السلطة ويتعلق الأمر بالأساس بحزب الاتحاد الاشتراكي الذي انفصل سنة 1975 عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والذي خرج بدوره من رحم حزب الاستقلال.

 

وقد انتقل الحزب من المعارضة إلى ممارسة الحكم سنة1997 في مايعرف بحكومة التناوب التي قادها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي الكاتب الاول السابق للحزب.

 

 ومازال الاتحاد الاشتراكي مكونا أساسيا في الحكومة المغربية الحالية، ثم هناك حزب التقدم والاشتراكية الذي كان يحمل قبل الاستقلال وإلى غاية سنة 1974، اسم الحزب الشيوعي المغربي، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي تأسست بشكل رسمي سنة عام 1983، وطلق مناضلوها توجه حركة 23 مارس الماركسية اللينية، وقد انشق عن حزب المنظمة  سنة 1996 الحزب الاشتراكي الديمقراطي. و شكلت المنظمة المذكورة سنة 2002  تحالفا مع ثلاثة أحزاب يسارية سموه بـ "حزب اليسار الاشتراكي الموحد".

 

أحزاب محافظة:

 

وعلى رأسها حزب الاستقلال، شارك في حكومات متعددة، كما مر من تجربة موقع المعارضة إلى جانب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

 

ثم حزب الحركة الشعبية التي أسسها الدكتور عبد الكريم الخطابي و أحرضان المحجوبي

 

في فبراير 1959، غير أنهما اختلفا سنة 1966 فأسس الأول الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية .

 

 وفي تشرين الأول ـ أكتوبر ـ 1986 انشق عن حزب حرضان فصيل بزعامة محمد العنصر واحتفظوا بنفس الإسم مما اضطره لتغيير الإسم الحركة الوطنية الشعبية.

 

وهناك من يصف أحزاب الحركة الشعبية بالاحزاب الإدارية ويرفض اعتبارها محافظة او يمينية على اعتبرا انها نسخة متشابهة ومرجعيتها واحدة لم تمارس المعارضة ن وظلت دائما تشارك في التشكيلات الحكومية باستثناء  فترة معينة.

 

أما حزب الخطيب الذي يعده البعض  رجل القصر بامتياز فقد استطاع ان يخلق مسافة مع حركة احرضان من خلال بعض مطالبه ذات الصبغة الإسلامية، ورفض زعيمه لفرض حالة الاستثناء  سنة  1965  يوم كان رئيسا للبرلمان، وهو ما سيجعله قبلة للإسلاميين في شخص حركة الإصلاح والتجديد في البداية، وخاصة بعدما رفضت السلطات طلبهم بتاسيس حزب التجديد الوطني سنة 1992، وبعد مفاوضات مع الدكتور الخطيب قبل هذا الاخير دخول الإسلاميين للعمل في حزبه كاعضاء وأفراد وبدأ ذلك يتبلور بشكل عملي سنة 1996 التي ستوافق اندماج حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي في حركة واحدة هي حركة التوحيد والإصلاح، وفي سنة 1998 تم الاتفاق تغيير  الإسم من " الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية" إلى "حزب العدالة والتنمية"  وهو الحزب الذي يشكل ثالث قوة سياسية في المغربن حصل في انتخابات 27 شتنبر 2002 على  42مقعد بمجلس النواب  أو الغرفة الأولى للبرلمان (المجلس التشريعي)، ويعد رأس المعارضة البرلمانية.

 

وكان الحزب قد دعم السنتين الاوليتين لحكومة التناوب تحت مصطلح جديد على القاموس السياسي والحزبي المغربي، وهو المساندة النقدية، وبعدما غير موقفه منها، اوضح انه سيعارضها معارضة ناصحة، وهي معارضة تعتمد منطق جديد تقول بموجبه  للحكومة احسنت عن أحسنت وأسات عن اسائت على حد تعبيرقيادات الحزب .

 

أحزاب "إدارية"

 

 ولدت وفي فمها معلقة من ذهب، لوجود يد للإدارة في تأسيس بعضها بادئ الامروعلى رأسها حزب الاتحدا الدستوري الذي أسسه رئيس الوزراء السابق المعطي بوعبيد سنة 1983 قبيل انتخابات 1984. وبعدما كان دائما مكونا أسياسيا للحكومة وصاحب مقاعد وفيرة بالبرلمان، تراجع حجمه بشكل واضح انطلاقا من سنة 1997، واضطر بعد انتخابات 2002 التشريعة أن يتحالف مع الحزب الوطني الديمقراطي، وهو من نفس الطينة انشق من حزب التجمع الوطني للاحرار سنة 1981 لتشكيل فريق نيابي.  وينضاف إليه الحزب المذكور"التجمع الوطني للأحرار" الذي أسسه  سنة 1978 أحمد عصمان صهر الملك الحسن الثاني رحمه الله، ووزير أول سابق، أغلب قياداته من رجال الاعمال ويمثل الطبقة البورجوازية، كان يحصل على أغلبية مقاعد مجلس لدرجة أنه حصل في الانتخابات الأولى بعد تأسيسه على 141 مقعد. غير أنه تراجع هو الآخر انطلاقا من سنة1997، إذ لم يحزسنة 2002 إلا  على 41 مقعدا،  مشارك في الحكومة الحالية، ولم يعرف معنى للمعارضة يوما منذ تأسيسه.

 

أحزاب منشقة

 

وهناك أحزاب وليدة اشقاقات ونذكر منها بالأساس:

 

- جبهة القوى الديمقراطية التي انشقت عن حزب التقدم والاشتراكية بعد وفاة زعيمه التاريخي علي يعته سنة 1997، يحسب أصحابه أنفسهم على اليسار، وكل مسلكياته وطروحاته تحيل على أنه حزب بدون هوية إيديولوجية واضحة.

 

 

- حزب الطليعة الديمقراطي، وخرج من رحم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة1989 نظرا للخلافات الإيدولوجية، محسوب على تيار المعارضة اليسارية الراديكالية نادى  بمقاطعة الانتخابات التشريعية لسنة أكثر من مرة.

 

- حزب المؤتمر الوطني الاتحادي وانشق عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

 

في تشرين الأول ـ أكتوبر ـ سنة 2001  بعدم خلاف قوي بين عبد الرحمن اليوسفي الكاتب الاول السابق للحزب والأمين العام للكنفدرالية الديمقراطية للشغل (نقابة الحزب وقوته الضاربة) محمد نوبير الأموي، انشقاق ترك الاتحاد الاشتراكي، بدون نقابة مما اضطره لتأسيس أخرى سماها الفديرالية الديمقراطية للشغل .

 

- الحزب الاشتراكي الديمقراطي وانشق عن حزب منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وتسعى بعض قياداته اليوم و بكل قواها في الاندماج في حزب الاتحاد الاشتراكي على رغم من عدم اقتناع  القواعد بذلك حسب مانشرته بعض المنابر الصحافية المغربية.

 

ويفسر المتابعون ظاهرة الانشقاق الحزبي بعدة تفسيرات وأسباب، ومنها نشوب خلافات سياسية وفكرية بين القيادات وربما التيارات داخل هذا الحزب أو ذاك، لايتسبعد أن يكون منشأها أحيانا ذا طبيعة شخصية، ترتبط بطموحات الأفراد، أو نتيجة ضغوط  يقال إن وزارة الداخلية على عهد إدريس البصري كانت تمارسها كنوع من العقاب على هذا الموقف ّأو ذاك.

 

- تيار الوفاء لليمقراطية و تحول لحزب انشق عن حزب الاتحاد الاشتراكي عقب المؤتمر الوطني السادس بزاعمة محمد الساسي رئيس الشبيبة الاتحادية سابق، وسيسعى اليوم للاندماج في حزب اليسار الاشتراكي الموحد.

 

أحزاب ما بعد 2001

 

بعد سنة 2001 وقبيل انتخابات 27 أيلول ـ سبتمبر ـ التشريعية، واستباقا لاحتمال خروج قانون يعقد شروط  تأسيس حزب سياسي، ظهرت على سطح المشهد الحزبي أحزاب جديدة بشكل لم يسبق له نظير،  بعضها نشأ نتيجة خلافات شخصية مع القيادة الحزبية لاعلاقة لها بالفكر ولا بالسياسة من قبيل  حزب الإصلاح والتنمية الذي خرج من رحم عرفه التجمع الوطني للأحرار،  وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي خرج من رحم حركة  أحرضان ّالحركة الوطنية الشعبية"، وحزب العهد التي خرجت مكوناته  من رحم حركة محمد العنصر (وزير الفلاحة في الحكومة الحالية) "الحركة الشعبيةّ" وحركة المحجوبي احرضان وكذا وحزب الاتحاد الديمقراطي الوليد الذي لم يكد يمضي على تاسيسه سنة. ثم  حزب البيئة والتنمية الذي يعتبر نفسه حزب "الخضر" في المغرب والذي انشق عن الحزب الوطني الديموقراطي.

 

أما الأحزاب الأخرى فتأسست لأول مرة وقال أصحابها إنهم يحملون أفكارا جديدة قادرة على  إعادة الاعتبار العمل السياسي، وتمثيل شرائح اجتماعية لم تجد نفسها في الأحزاب القائمة، ويتعلق الأمر بحزب القوات المواطنة الذي يمثل الوسط المالي والمقاولاتي بزعامة الامين العام السابق لرجال الأعمال والمقاولين المغاربة عبد الرحيم الحجوجي أغلب أعضائه من النخبة الاقتصادية ورجال المال والاعمال، وحزب  اتحاد الحريات بزعامة علي بلحاج، يراهن على فئة الشباب والفاعلين في المجتمع المدني،والحزب المغربي الليبرالي بقيادة محمد زيان، ليس له وجود ملحوظ في المغرب باستثناء  جهة الريف وشمال البلاد، عرف هو الآخر انشقاقا بعد ولادته بسنة تقريبان وهناك حزب التجديد والإنصاف مازال هو الآخر يبحث لنفسه عن موقع قدم بالحياة الحزبية المغربية .

 

وقد شكلت انتخابات 27 سبتمبر2002 صدمة كبيرة لعدد من الأحزاب الأخيرة المذكورة

 

إذ اثبتت النتائج التي حصلت عليها بأنه لاتمثل شيئا يذكر في المجتمع ومنها من لم يحصل على أي مقعد في البرلمان.

 

 نحو الوحدة

 

على عكس التوجه الانشقاقي السالف الذكر الذي ساد دخال بعض الأحزاب السياسية، بدأت بعض المبادرات الحزبية، ومن داخل الصف اليساري والاشتراكي، تتجه نحو تشكيل حزب يسار أو اشتراكي، بدأت أولى خطواته بتشكيل "حزب اليسار الاشتراكي الموحد" في تموز ـ يوليو ـ سنة 2002, باندماج وتوحد أربعة مكونات يسارية ؛ منظمة العمل الديمقراطي الشعبي والحركة من أجل الديمقراطية والديمقراطيون المستقلون والفعاليات اليسارية المستقلة.

 

ورغم  أن دعوات الوحدة والتكتل متواصلة لتجميع القوى اليسارية والاشتراكية، فإن تعدد خلفيات كل طرف وأهدافه، وقفت وستقف حجرة عثرة لتحويل الدعوة /الحلم  إلى واقع

 

ذلك لأن التيارات اليسارية الصغيرة من قبيل النهج الديمقراطي وهو الاتجاه المتشدد والوجه الجديد لمنظمة "إلى الأمام"، التي ظهرت سنة 1970،  يريد أن يتأسس الاتحاد أو التحالف على أسس إيديولوجية، والحال أن ذلك متعذر لأنه مازال يؤمن بالطروحات الماركسية اللينينية التي تجاوزها الكثير من اليساريين المغاربة، بل منهم  من بات مدافعا شرسا عن النيو ليبرالية، فضلا على أن لكل طرف رهانات معينة على الوحدة، بل إن الاتحاد الاشتراكي يعتبر نفسه هو المحضن الممكن لهذا الحزب الاشتراكي الكبير الذي يوحد العائلة اليسارية.

(1) تعليقات

مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات المعاصرة

أحمد صدقي الدجاني
 

في نطاق تناول موضوع "حقيقة الإسلام في عالم متغير"، الذي اختاره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر العربية، موضوعاً لمؤتمر الرابع عشر المنعقد بالقاهرة في ذكرى مولد رسول الله محمد (ص) لعام 1423 (20 ـ23/5/2002)، يأتي هذا البحث ليتشوف "مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات المعاصرة".

 

لقد تحدثت ورقة عمل المؤتمر في تقديمها لموضوعه عن "محاولات خلط للأوراق وربط ظالم بين الإسلام والإرهاب، في ظل ظروف ومتغيرات يعيشها عالمنا المعاصر وبخاصة بعد أحداث 11/9، واتهام العرب والمسلمين بمعاداة الحضارة وتشجيع الإرهاب". الأمر الذي يتطلب وقفة موضوعية تضع النقاط على الحروف بشأن حقيقة الإسلام، ونذكر أيضاً بعطاء الحضارة الإسلامية للحضارة الأوروبية، وبما قدمته هذه الحضارة  "من نموذج رائع للتعايش الإيجابي بين الأديان والحضارات". وانتهت الورقة إلى "أن هذا التوضيح والبيان يصب في نهاية الأمر في تحديد مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية وغيرها من الحضارات". وهذا ما استهدفه المحور الرابع من محاور المؤتمر الخاص بالرؤية المستقبلية الذي يتكامل مع محاور حقيقة الإسلام، والعلاقة بالآخر، والجهاد.

 بغية الوفاء بالمطلوب من بحثنا، سوف نمهد أولاً بحديث عن المفاهيم، ثم نتعرف على المشهد الحضاري العالمي والحضارة الإسلامية ضمنه، لنصل إلى تشوف مستقبل العلاقات بين حضارتنا الإسلامية والحضارات المعاصرة.

 أولاً: تمهيد

حديث عن المفاهيم

الحضارة الإسلامية هي واحدة من حضارات عالمنا المعاصر. ولها دائرتها الحضارية التي تضم د(((
 

))) يتخصص فيه، فيتأدب ــ على حد تعبير أجدادنا ــ آخذاً من كل علم بطرف، ويعتز المجتمع بثقافته التي يتفرد بها لكونها نتاج امتزاج فكري نفسي عاطفي يوجه الإنسان، كما لاحظ د.أذرشب في ندوة التعاون العربي الإيراني، ويمكن أن نضيف "وروحيّ" أيضاً. وقد قدر أحد الباحثين الغربيين "ميردوك" وجود ثلاثة آلاف ثقافة في عالمنا كما أورد هاري شابيرو في كتابه "نظرات في الثقافة"، وثقافة مجتمع ما تصور ــ كما لاحظ ويل ديورانت في موسوعته قصة الحضارة "عملية الانتخاب الطبيعي الذي تقوم به تجارب لا حصر لها ..؛ كما تصور حكمة الأجيال التي تعاقبت في المجتمع فتجمعت تراثاً غزيراً". ويلاحظ العلماء أن للدين تأثيراً قوياً على الثقافة، شأن اللغة. وانطلاقاً من هذا التعريف يمكن أن نتحدث عن "ثقافة النوبة" مثلاً في وادي النيل، ومثيلاتها هنا وهناك في عالمنا، باعتبارها "ثقافة محلية"، وعن "ثقافة قطرية" هي جامع للثقافات المحلية.

 

والحضارة في أبسط تعريفاتها هي "نمط من الحياة يتميز بخطوط وألوان من الرقي.. وتقوم في دائرة من الاتساع المكاني والبشري والزماني.. وتتضمن نظماً ومؤسسات وقيماً ومعاني تنطوي الحياة عليها". والحضارة بفعل ذلك كله تضم العديد من الثقافات القطرية، في "جامع مشترك" تفاعل فيه الإنسان مع المكان والزمان، وكونته عناصر "الدين بما يوفره من رؤية كونية"، و"لسان جامع مشترك إلى جانب ألسنة أخرى" و"تاريخ وعادات ونظم" في دائرة واسعة ينتمي إليها حضارياً كل البشر المقيمين في هذه الدائرة على اختلاف أقوامهم ومللهم وأنماط حياتهم وشرائحهم الاجتماعية، وقد عرف تاريخ الإنسان قيام عدد من الحضارات وازدهارها وأفول بعضها.

 

وعُمران

والعمران هو مصطلح اقترحه ابن خلدون في مقدمته للدلالة على نمط الحياة بوجه عام، جاعلاً إياه أحدث الخواص التي تميز بها الإنسان عن سائر الحيوانات، وهو التساكن والتنازل في مصر أو حلة للإنس بالعشير واقتضاء الحاجات لما في طباعهم من التعاون على المعاش. ومن هذا العمران ما يكون حضرياً ومنه ما يكون بدوياً. وقد استلهم ابن خلدون المصطلح من الهدى القرآني "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها". (هود 61). والعمران في اللسان العربي هو نقيض الخراب وعُمر الإنسان هو اسم لمدة عمارة البدن بالحياة، وهكذا يكون تعمير العالم المدلول الإيجابي للتغير، لأن التغيير يمكن أن يكون سلبياً فيغدو تخريباً. وقد آن الأوان ونحن ننظر في مستقبل الحضارة ونرى ما يتم باسم التحضر على صعيد الإخلال بالبيئة وبمحيطنا الحيوي وعلى صعيد الهندسة الوراثية أن نميز بين التعمير الحضاري وأي تخريب وأي تخريب في إطار الظاهرة الحضارية. وهذا ما دعا كاتب هذا الحديث إلى اقتراح مصطلح العمران الحضاري للدلالة على التوظيف الإيجابي لمنجزات الحضارية في كتابه "عمران لا طغيان".

 

ودائرة حضارية

في ضوء هذه المصطلحات الثلاثة الثقافة والحضارة والعمران، تتضح معالم مصطلح "الدائرة الحضارية" الذي يدل على حضارة نشأت وازدهرت، في رقعة من الأرض يسكنها أقوام وملل وشعوب وقبائل وأمم شاركوا في إقامتها وانتموا إليها بثقافاتهم المحلية والقطرية. وقد عني التاريخ الحضاري بدراسة الظاهرة الحضارية في الاجتماع الإنساني عبر العصور، وبالتعرف على المجتمعات الحضارية التي ظهرت فيه، وبتحديد دوائرها الحضارية، وذلك منذ أن أرسى قواعدها ابن خلدون. ووقف أرنولد توينبي في دراسته الجامعة "دراسة في التاريخ" أمام واحد وعشرين مجتمعاً حضارياً حفظ لنا التاريخ أخبارهم، ظهروا في مختلف القارات، أشار إلى مجتمعات توقفت عن النمو الحضاري مثل الإسكيمو، وانتهى إلى أن هناك سبعاً من الحضارات بقيت ولكل منها دائرته الحضارية.

 

إن تعدد الحضارات التي قامت في الاجتماع الإنساني حقيقة يكاد يجمع عليها المختصون بالتاريخ الحضاري من المؤرخين. وقد فند هؤلاء مقولة نفر من المؤرخين الغربيين الذي ظهروا في عصر الاستعمار الأوروبي التي زعمت وجود حضارة واحدة هي حضارة الغرب الوارثة لحضارة الإغريق والرومان، وكل من كان خارج دائرتها فهم "برابرة". وهو التعبير الذي أطلقه بعض الإغريق القدماء على غيرهم. وكان لتوينبي جهد بارز في هذا التفنيد، وهو الذي كتب "العالم والغرب"بهذا الهدف. ولافت أن التاريخ الحضاري شهد ازدهاراً في القرن العشرين الميلادي، في مختلف أنحاء عالمنا، أسهم فيه عدد من المؤرخين العرب والمسلمين. ويسجل كاتب هذا الحديث فضل بعض هؤلاء على جيله وعليه، ومنهم شكيب أرسلان ومالك بن نبي وجورج حداد استاذ الحضارة في الجامعة السورية في الخمسينيات وقسطنطين زريق وجمال حمدان الجغرافي المؤرخ وزكي نجيب محمود وأنور عبد الملك وآخرون. ولا يزال القول بحقيقة تعدد الحضارات في عالمنا اليوم هو الغالب، وإن برز رأي يقول بأن الحضارة الغربية باتت في عصر ثورة الاتصال التي نشهدها حضارة كونية، وقد أشار هنتنجتون في مقاله إلى ف.س.نايبول الذي طرح هذا الرأي وزعم أن حضارة الغرب كونية كلية تناسب كل الناس. وطرح هذا الرأي مؤخراً محمود أمين العالمالذي تساءل "هل هناك حضارات متعددة في عصرنا الحالي أم هناك حضارة واحدة؟" وأجاب "بأن الحضاري كان موجوداً طوال التاريخ الماضي، بينما تسود في عصرنا الراهن حضارة واحدة غربية المنشأ رأسمالية". وخالفه كثيرون شرحوا حقيقة تعدد الحضارات اليوم، ونجد مثلاً على ذلك في ندوة مجلة المستقبل العربي صراع حضارات أم تعدد ثقافات، في العدد 12/1988 التي شارك فيها معه السيد ياسين وأسامة خليل وقيس جواد العزاوي والحق أن تخلل بعض الإنجازات المادية الغربية الحضارات الأخرى، لا يعني انتهاء هذه الحضارات، لأن ما يميز بين حضارة وحضارة ثقافتها وقيمها ورؤاها الكونية، وما الإنجازات المادية الغربية إلا ثمرة الإنجازات المادية للحضارات جميعاً التي تراكمت عبر العصور، ولذا لاحظ دارس الحضارات سهولة انتقالها في إطار التفاعل الحضاري على عكس انتقال الأفكار. وقد فصل قسطنطين زريق شرح ذلك في حديثه عن تفاعل الحضارات.

 

عناصر الدائرة الحضارية

وبعد.. فإن مفهوم الدائرة الحضارية في ضوء ما سبق، ووفقاً للتعريف الذي أوردناه يتضمن عنصراً جغرافياً وآخر بشرياً سكانياً وعنصراً ثالثاً تراثياً ثقافياً حضارياً عمرانياً تحكمه رؤية كونية يوفرها الدين في غالب الأحيان والفلسفة الوضعية حيناً كما في العلمانية الغربية.

 

ثانياً: المشهد الحضاري العالمي وحقائق حضارتنا

ننظر في الدوائر الحضارية في عالمنا المعاصر. فنجد أن علماء التاريخ  الحضاري المعتمدين يطرحون آراء متقاربة بشأنها، مع اختلاف حول نقاط بعينها. فهم متفقون على حقيقة تعددها. وقد رأى أرنولد توينبي حوالي منتصف القرن العشرين أنها سبع دوائر بقيت من المجتمعات الحضارية التي تتبعها في "دراسته للتاريخ" وبلغت واحد وعشرين، وهذه الدوائر السبع الباقية هي الحضارة الغربية وتشمل عنده أوروبا والأمريكتين الشمالية والجنوبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة الهندوكية، والحضارة الصينية، والحضارة الكورية اليابانية، والحضارة المسيحية البيزنطية، والحضارة الأرثوذكسية المسيحية الروسية. وحين عمد صموئيل هنتنجتون إلى تحديد هذه الدوائر عند كتابة بحثه المثير للجدل حول صراع الحضارات في عام 1993، مستنيراً بدراسة توينبي الجامعة، ذكر الغربية، ولكنه أخرج منها أمريكا الجنوبية، وجعل لها فرعين فقط الأوروبي والأمريكي الشمالي، وقال بوجود حضارة أمريكا لاتينية في أمريكا الجنوبية. كما ذكر الحضارات الإسلامية، والهندوكية، والصينية التي سماها الكونفوشوسية، واليابانية والأرثوذكسية "السلافية" مستبدلاً هذا المصطلح بالروسية. وذكر أخيراً احتمال وجود حضارة أفريقية قائلاً "وربما الإفريقية". ونكتفي بتسجيل هذين الرأيين لشهرة كلا منهما في الغرب وفي العالم بعامة.

 

ثماني دوائر حضارية في عالمنا

الرأي الذي نطمئن إليه بعد إعمال فكر وإمعان نظر، هو أن هناك اليوم ثمان دوائر حضارية يمكن التمييز بينها تكشفها النظرة المحيطة، وتسود في كل منها حضارة غالبة لها خصائصها. فهناك الغربية بفرعيها الأوروبي والأمريكي الشمالي، والحضارة الأمريكية الجنوبية التي جاءت ثمرة تفاعل حضارة المستعمرين المستوطنين الغربية القادمين من شبه جزيرة أيبريا مع حضارة سكان البلاد الأصليين مع الحضارة الأفريقية المتأثرة بالحضارة الإسلامية، ونحن مع الرأي الذي يميزها عن الحضارة الغربية. وهناك الحضارة الهندوكية في الهند، وهناك الحضارة الأرثوذكسية السلافية في روسيا وأوروبا الشرقية الجنوبية. وهناك الحضارة الأفريقية السائدة في جنوب الصحراء في قارة أفريقيا، والحضارة الإسلامية بفروعها في آسيا وأفريقيا.

 

وقفة أمام دائرة الحضارة الأفريقية

يجدر الوقوف هنا لتأكيد حقيقة وجود دائرة حضارية أفريقية، وذلك في ضوء عدم ذكر توينبي لها وقول هنتنجتون باحتمال وجودها. والحق أن نظرة متأنية لتاريخ أفريقيا العام الذي جمعته منظمة اليونسكو في سبعة مجلدات في عهد مديرها العام أحمد مختار أمبو، تؤكد أن هذه الحضارة كانت قائمة في أنحاء مختلفة من أفريقيا قبل حلول كارثة الاستعمار الأوروبي للقارة والنهب الاستعماري لها والذي شمل فيما شمل الكثير من الوثائق المكتوبة. وقد تفاعلت هذه الحضارة مع الحضارة الإسلامية بفرعها الأفريقي بخاصة الذي عم أفريقيا شمال الصحراء وشرق أفريقيا، فجرى استخدام الحرف العربي أحياناً في كتابة لغات أفريقية. وهناك اليوم صحوة علمية إزاء هذه الحضارة يتوقع لها أن تكشف الكثير عنها، كما كشفت البحوث العلمية الغربية ازدهار حضارة أمريكا قبل كولمبس المكسيكية والانكا والإنديز والمايا. والأمل أن تسهم مراكزنا العلمية الثانية. وكم طاب لي مؤخراً حين التقيت بأخي أحمد مختار أمبو زميلي في أكاديمية المملكة المغربية أن استزيد من علمه بهذه الحضارة، فسمعت منه ما يستحق حديثاً مفصلاً ليس هذا مجاله.

 

حلقات مركزية وتخوم

حين نتأمل كلاً من هذه الدوائر الحضارية نلاحظ وجود حلقة مركزية فيها تحيط بها حلقات تنتهي بمحيط الدائرة الذي هو تخومها مع بقية الدوائر. وللحلقة المركزية موقع متميز، كما أن للتخوم أهميتها. وفي دائرتنا الحضارية الإسلامية يمثل جزء من الوطن العربي هذه الحلقة المركزية فيها مصر وفلسطين وبلاد الشام والعراق والجزيرة العربية، وتخوم الدائرة تقوم مع الدوائر الأفريقية والهندوكية والصينية والغربية والأرثوذكسية السلافية، في قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا.

إن تخوم أي دائرة حضارية يمكن أن تكون مناطق وصل بين الحضارات في عهود السلم، كما يمكن أن تكون مناطق فصل في عهود الحرب حين تنشب نزاعات وتحتدم صراعات. ووفقاً للرؤية الكونية التي تحكم الحضارة تكون النظرة إلى هذه التخوم ويكون التعامل معها. ولقد تجلى هذا الأمر في الفرضية التي انطلق منها صموئيل هنتنجتون في كتابه "صدام الحضارات" مؤخراً. والفرضية التي قدمها هي بكلماته "أن المصدر الأساسي للنزاعات في هذا العالم الجديد لن يكون مصدراً (((

 

))) وسيسطر الصدام بين الحضارات على السياسات الدولية. وبذلك ستكون الخطوط الفاصلة بين الحضارات هي خطوط المعارك في المستقبل". فالرؤية هنا تحكمها فكرة "الصراع" ولذا أصبحت النظرة إلى التخوم على أنها خطوط معارك بين الدوائر الحضارية. وعلى العكس من ذلك حين تكون الرؤية الكونية محكومة بفكرة أن الله جل وعلا خالق كل شيء خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ومن ثم ليتعاونوا على البر والتقوى، فإن النظر إلى التخوم تصبح على أنها مناطق وصل بين الدوائر الحضارية وليس مناطق فصل. وهذا هو الشأن في حضارتنا الإسلامية التي ظهر فيها رمز "السندباد" البحري والبري. فالتعارف والتعاون على البر والتقوى هو الأصل بين العلاقات بين الدوائر الحضارية والاستثناء هو الصراع يحدث "طغيان" يبغي بغير حق.

 

موقع دائرتنا الحضارية

في ضوء ما سبق يتضح مكان دائرة الحضارة الإسلامية من دوائر حضارات عالمنا المعاصر وبينها. فهي واحدة منها تجاور خمسة أخرى، وهي تمتد في قلب المساحة التي تشغلها قارات عالمنا الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهي تشهد من ثم تفاعلات حضارية قوية. كما يتضح أيضا موقع وطننا العربي في هذه الدائرة، في مركزها وفي طرفها الغربي حتى شاطئ الأطلسي.

 

وقفة أمام اسم دائرة الحضارة الإسلامية

في ختام هذا الجزء من حديثنا نستشعر الحاجة إلى وقفة أمام الأسماء الشائعة للدوائر الحضارية ومن بينها اسم حضارتنا. ويلفتنا أن بعضها سمي بمكان الدائرة، وواحدة وفق الجهة، وبعض برز في اسمه الدين الغالب. فالأفريقية والأمريكية الجنوبية واليابانية أعطى المكان أسماؤها. والغربية نسبة إلى الغرب وكانت قبل امتدادها أمريكا الشمالية تعرف الأوروبية نسبة إلى المكان. والهندوكية نسبة إلى الدين الغالب. والكونفوشوسية الصينية والأرثوذكسية السلافية برز في اسميهما الدين والأقوام. أما الإسلامية فأخذت اسمها من الإسلام. وقد حبذ بعض مؤرخي الحضارات العرب إضافة كلمة العربية الإسلامية. وذلك للإشارة إلى أن اللسان العربي الذي أنزل به القرآن الكريم كان لغة التعبير الأولى، وأن للعرب دور في حمل رسالة الإسلام ونشرها، كما أن لوطنهم مكان مركزي في هذه الدائرة الحضارية. ويحبذ آخرون الاقتصار على كلمة الإسلامية تجنباً لإثارة حساسيات الانتماءات القومية في هذا العصر الذي قامت فيه الدول القطرية، وتوخياً للاختصار.

 

واضح أن للرؤية الكونية، ديناً كانت أو فلسفة، مكان خاص ودور خاص في كل هذه الحضارات، سواء منها من حملت اسماً يشير إلى الدين الغالب أو من لم تحمل. ومعلوم أن للبوذية والشنتوية مكانهما في الحضارة اليابانية، شأن المسيحية الكاثوليكية في الأمريكية الجنوبية، شأن الأديان الأفريقية في الأفريقية، وهذه تستحق أن ندرسها. وإذا كانت العلمانية بفلسفاتها غلبت على الحضارة الغربية في القرنين الأخيرين إلا أن المسيحية بمذهبها الكاثوليكي ونحلها المتفرعة من المذهب البروتستانتي كان لها تأثيرها الفعال فيها. وهذا ما نراه في أوروبا المتوسط حيث الكاثوليكية وفي الشمال الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وكندا حيث تنتشر النحل البروتستانتية .

 

بقي أن نقول إن بروز الرؤية الكونية المؤمنة في الحضارة الإسلامية لدى المسيحيين والمسلمين المؤمنين بالله جعل كثيرين في الغرب يستعملون كلمة "الإسلام" للدلالة على هذه الحضارة بجميع من ينتمي إليها. وذا هو المدلول الحضاري لكلمة الإسلام يضاف إلى مدلول رسالة الإسلام الخاتمة ورسالات الإسلام التي سبقت.

 

حرب العولمة الجارية

نتابع التعرف على المشهد الحضاري لعالمنا المعاصر‘ فأجد عند كتابة هذه السطور في مطلع الأسبوع الثاني من شهر أبريل نيسان 2002، محرم 1423 أن دائرتنا الحضارية مستهدفة بحرب العولمة التي يشنها العولميون "القارونيون الجدد" عليها بقيادة الإدارة الأمريكية. وفي نطاق هذه الحرب يقوم جيش المستعمرين المستوطنين الصهاينة العنصريين منذ  /3/2002 بحرب إبادة على الشعب العربي الفلسطيني تستهدف إخضاعه وإخضاع الأمة وإنهاء انتفاضة الأقصى ضد الاحتلال الإسرائيلي ضد الاحتلال الإسرائيلي لوطنه وللقدس التي أكملت شهرها الثامن عشر وذلك عد أن أعلنت الإدارة الأمريكية يوم 11/3 بدء المرحلة الثانية في هذه الحرب. وكانت قد باشرت المرحلة الأولى في أفغانستان في 7/10/2001 إثر زلزلة 11/9/2001 التي أصابتها. ويواجه الشعب العربي الفلسطيني هذه الحرب بمقاومة بطولية للمستعمر المستوطن الصهيوني تمنع في نطاق ظاهرة المقاومين لطغيان العولمة وطغوتها وهيمنتها. وقد فصلنا عن هذه الحرب في بحث مستقل.

 

المشهد الحضاري وتأملات فيه

إن المشهد الحضاري لعالمنا المعاصر اليوم مستمر في خطوطه الأساسية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وقد سبق أن وقفنا أمامه في مطلع عقد تسعينات القرن العشرين في كتابنا "عُمران لا طغيان" فوجدنا بداية مناخاً من نوع خاص مخيم عليه فيه ما يبعث على التفاؤل والكثير مما يبعث على التشاؤم. وقد أشارت السيدة فرو هارلم برونتلاند رئيسة اللجنة العالمية للبيئة والتنمية إلى هذا المناخ في مقدمتها لتقرير اللجنة الذي صدر مؤخراً باسم مستقبلنا المشترك، فذكرت كيف وقعت مآس عدة خلال إعداد التقرير مثل المجاعات الأفريقية، وتسرب الغاز في مصنع المبيدات في بوبال بالهند، والكارثة النووية في تشيرنوبيل في الاتحاد السوفيتي، بينما أزمة الديون تفعل فعلها في الدول (((((
 

 )))) تقرير مستقبلنا المشترك أضواء على واقع عالمنا الحضاري، شأن كثير من التقارير الأممية والدراسات التي صدرت حديثاً. فهناك إيجابيات في هذا الواقع يوقف أمامها فنحن نستطيع أن ننقل المعلومات والبضائع عبر كوكبنا بأسرع مما كان في أي وقت مضى، ونستطيع أن ننتج غذاءً أكثر باستثمار موارد أقل، وتقدم لنا تكنولوجيتنا وعلومنا، على الأقل، القدرى على النظر بصورة أعمق في أنظمة الطبيعة وفهمها بشكل أفضل. ومن الفضاء نستطيع أن نرى وندرس الأرض كنظام تتوقف صحته على صحة جميع أجزائه. ونحن نملك القدرة على المواءمة ما بين الجهود البشرية وقوانين الطبيعة، ونؤمن ازدهار خلال ذلك وفي هذا يستطيع تراثنا الثقافي والروحي أن يعزز مصالحنا الاقتصادية ويدعم ضرورات بقائنا. وهناك في هذا الواقع نجاحات منها انخفاض معدلات الوفيات بين الأطفال، والزيادة في طول أعمار الناس، وارتفاع نسب البالغين القادرين على القراءة والكتابة في العالم، ونسبة الأطفال الذين يدخلون المدرسة، وزيادة الإنتاج العالمي للغذاء بأسرع من نمو السكان. لكن هذه العمليات نفسها التي أدت إلى هذه المكتسبات هي التي أوصلت إلى إخفاق على صعيد التنمية من منظور عالمي تجسده هذه الفجوة ما بين أمم غنية وأخرى فقيرة التي تتسع بدل أن تضيق وتدل عليه أرقام عدد الناس الجائعين في العالم والأميين منهم وعدد المحرومين من المياه النقية أو المساكن الصالحة. كما أوصلت هذه العمليات إلى إخفاق في إدارة بيئتنا البشرية بفعل اتجاهات بيئية تهدد بتفجير كوكبنا وتهدد بالخطر حياة العديد من الكائنات الحية التي تقطنه. ففي كل سنا تتحول ستة ملايين هكتار من الأرض الجافة المنتجة إلى صحارٍ. وهناك أكثر من أحد عشر مليون هكتار من الغابات تدمر سنوياً وتقتل الأمطار الحامضية غابات وبحيرات وتخرب التربة. ويؤدي حرق الوقود الأحفوري إلى نشر ثاني أكيد الكربون في الجو مما يتسبب في الزيادة التدريجية للحرارة في العالم. وتهدد غازات صناعية أخرى باستنزاف غلاف الأوزون الذي يحمي الكرة الأرضية إلى الحد الذي يمكن أن يرتفع معه بشكل حاد عدد إصابات الناس والحيوانات بالسرطان، وتتعرض للاختلال دورة الغذاء في المحيطات. وتطرح الصناعة والزراعة مواد سامة في مكونات الدورة الغذائية للإنسان وفي طبقات المياه الباطنية إلى حد يتجاوز إمكانية التطهير.

 

يخرج المتأمل في الواقع الحضاري في عالمنا أيضاً بأن الأواصر بين البيئة والتنمية أواصر معقدة وهي في حالات كثيرة لا تفهم على الوجه المطلوب. لكن النظرة الشاملة للأمن الدولي والقومي يجب أن تتجاوز التركيز التقليدي على القوة العسكرية وسباق التسلح. فالمصادر الحقيقية لانعدام الأمن تشمل أيضاً التنمية غير المستديمة. وقد تحدث تقرير مستقبلنا المشترك وهو ينبه إلى هذا الأمر عن الإجهاد البيئي كمصدر للنزاع وعن النزاع كسبب للتنمية غير المستديمة. فالتفاعل بين الفقر والظلم وتدهور البيئة والنزاع جار على قدم وساق وبطرائق معقدة وفعالة. ومن مظاهره ظاهرة ما يسمونه لاجئ البيئة التي تشتمل أسبابها الكامنة على تردي قاعدة الموارد الطبيعية وقدرتها على إعالة السكان، ومثل عليها أحداث القرن الإفريقي منذ السبعينات التي شهدت هرب زهاء عشرة ملايين أفريقي في عامي 84 ـ85 من ديارهم بسبب الحروب التي نشبت إثر حدوث الجفاف وكان من أسبابها سوء استخدام الأرض المستمر على فترة طويلة. وواضح أن سوء الاستخدام هذا مرتبط بالاستغلال الذي هو التعبير الصارخ عن الظلم. وقد أوضح مشروع الهيئة البيئية للسلفادور الذي أعدته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إثر الأحداث التي جرت هناك مؤخراً أن الأسباب الأساسية للصراع الدائر ليست أسباباً بيئية بقدر ما هي أسباب سياسية، نابعة من معضلات تتعلق بتوزيع الموارد في أرض مكتظة. وأحد الأمثلة على هذا الاستغلال سياسة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؛ فيمن الطرائق التي تعتمدها هذه السياسة باسم نظام أراضي الوطن الذي يخصص 14% من أراضي البلاد إلى 72% من السكان. وينجم عن ذلك هرب الشباب السود ممن هم في سن العمل من هذه الأراضي التي أنهكتها الزراعة والرعي بحثاً عن العمل في المدن، وهناك يواجهون ظلماً اجتماعياً واقتصادياً قاهراً وتمييزاً عنصرياً غاشماً، فيناضلون في مواجهة ذلك ويعمد النظام إلى قمعهم فيبحث ضحاياه عن ملجأ عبر الحدود، فيعمد نظام جنوب إفريقيا إلى توسيع رقعة الصراع لتشمل الدول المجاورة. وتقع المنطقة بأسرها أسيرة صراع أوسع. ويذكرنا هذا الحديث عن النظام العنصري في جنوب إفريقيا بما يقوم به النظام العنصري الصهيوني في فلسطين، وتتداعى إلى الخاطر السياسات التي تمارسها القاعدة الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية في منطقة الوطن الجماعي الأخرى، وانتشرت ثقافة السلاح التي استخدم فيها نصف عالم في أبحاث التسلح على الصعيد العالمي، ودأبت دول كثيرة على التمسك بهذه الثقافة ونشرها وبخاصة في الدول المنتجة للسلاح. وقد قدر تصدير السلاح بأكثر من 35 بليون دولار سنوياً التهمت فيها تجارة السلاح ما يربو على 300 مليار دولار خلال العقدين الماضيين ثلاثة أرباعها على شكل مبيعات لما يعرف بالبلدان النامية. وهكذا يتجلى الصراع سبباً لحدوث ما يسميه تقرير مستقبلنا المشترك: التنمية غير المستديمة

 

إن هذا الواقع الحضاري في عالمنا يؤثر على حياة الإنسان أينما كان على سطح كوكبنا. وهناك كثيرون اليوم في مختلف الأنحاء يقفون اليوم وهم يتأملونه أمام حروب محلية وإقليمية وصراعات دموية وفقر وسوء تغذية وأمراض وديون وتدخل صندوق النقد الدولي وانهيار أسعار وكوارث بيئية تفعل فعلها في العديد من بني البشر، وبخاصة في الجنوب في عالمنا الذي تزداد فجوة الثروة القائمة بينه وبين الشمال اتساعاً. وإذا كان الشعور بالتفاؤل قد عم بعض الأوساط في أعقاب انتهاء الحرب الباردة بشأن هذا الواقع الحضاري حيث بدا لها أن الأزمة الاقتصادية العالمية انتهت، وقامت الديمقراطية في أماكن لم تكن متوقعة، ولم يعد بالإمكان التعرف على الخريطة الأيدلوجية والاجتماعية في القارة الأوروبية، وأصبحت المؤشرات في البلاد المتطورة تبشر برحلة جديدة من النمو تستمر عدة سنوات، إلا أن هذا التفاؤل سرعان ما اصطدم بحقيقة أن المشاكل التي تنجم عن النظام العالمي السائد ستستمر من مشكلة عدم التوازن بين البلدان إلى مشكلة الانتقال العسير لنظام السوق إلى مشكلة المظالم بين المجموعات الاقتصادية فضلاً عن مشاكل البطالة والمجاعات وفوضى الأسواق المالية والمواد الأولية. ويتطلع البعض إلى التحديث التقني كحل يكفل سير الأمور نحو الأحسن وبأقل ما يمكن من الشرور، ولكن البعض الآخر ينبه إلى أنه لا يمكن تأمين النمو المستمر فعلاً إلا إذا توقفت سياسات الدول الكبرى الاقتصادية عن السير في الاتجاه المعاكس، إذ لا يمكن للمضاربات الأمريكية المفرطة في الولايات المتحدة والعجز بالوفر الحقيقي وعودة التضخم وزيادة معدلات الفائدة وديون الشركات أن تسلم من الهزات الخطيرة في أسواق البورصة، كما أن النمو بشكل عام حتى في أكثر البلاد ثراءً لا يمس إلا فئة محدودة من السكان، والبنية التحتية لا تزال متخلفة في عدد من البلدان الغنية نفسها، كان ذلك بالنسبة للجسور أو شبكات الطرق أو منشآت التعليم في وقت لا ينعكس فيه تطور النفقات على هذه البنية، هذا فضلاً عن أن العزلة أصبحت مهيمنة في المدن الكبرى فالعديد من الناس غارقون تحت كتلة من المعلومات ويتجه بعض هؤلاء في المجتمعات الغنية بالدرجة الأولى إلى الاكتفاء بالتمتع بمشهد القوة في ملذات الأقلية وتعاطي المكيفات. وتؤكد دراسات غربية أن السياسات الاقتصادية في الغرب لا تزال تتبنى مفهوماً للتنمية يجعلها تنمية لصالح الأغنياء والمؤثرين، ولا تزال غافلة على متطلبات حماية البيئة حين تتابع الحديث التقليدي عن التكاليف والعائد غير المادي. متجاهلة الحاجة إلى نظام اقتصادي جديد يسلك مسلكاً مخالفاً للتكاليف والعائد غير المادي. وقد أدت هذه السياسات إلى زيادة أعباء العالم في الجنوب وإلى استقطاب الثروة والدخل في الشمال. وحدث هذا الاستقطاب أيضاً داخل مجتمعات الرخاء نفسها فارتفع مؤشر البطالة ليصل في الجماعة الأوروبية مثلاً 15% من القوى العاملة، واكتسبت المماريات الاقتصادية المشبوهة أو السوداء التي يتم بعضها عن طريق العنف أهمية كبيرة. وتبدو العواقب النهائية لهذه السياسات في رأي أصحاب تلك الدراسات غامضة ومشكوك فيها.

 

مشكلات وأخطار

لقد دأبت التقارير الأممية التي تناولت هذا الواقع الحضاري في عالمنا خلال العقدين الماضيين على التحدث عن المشكلات التي تتحدى البشرية جمعاء. فتقرير اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال مثلاً الذي صدر عن اليونسكو عام 1981 بعنوان أصوات متعددة وعالم واحد، أوضح أن تحديات مشكلات البيئة والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية لا سيما غير المتجدد منها، وأزمة الطاقة، والعمالة، والتضخم، والكفاح ضد الآفات الاجتماعية التي تنتشر داخل الأمم وتسود فيما بينها، والدفاع عن حقوق الإنسان.. كفاح ضد مخلفات الاستعمار، وحماية السلاح، ونزع السلاح، هي تحديات يرتبط بعضها ببعض ولا يمكن مواجهتها إلا بتضافر القوى التي نعيش في كنفها جعلت والتي عالمنا أكثر ترابطاً، وأصبح مفهوم العالم عند إنسان العصر بفعلها أشمل وأعمق. وكان إعلان الأمم المتحدة الخاص بإقامة نظام دولي جديد الذي صدر في أيار ـ مايو 1974، قد لاحظ وجود فجوة كبيرة آخذة في الاتساع بين دول غنية وأخرى فقيرة وأن مكاسب التقدم التقني ليست مقسمة بالتساوي بين أعضاء المجتمع الدولي وقد ثبت أنه من المستحيل تحقيق تنمية عادلة ومتوازنة للمجتمع الدولي في ظل النظام الاقتصادي الحالي، ذلك أن الفجوة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية مستمرة في ظل نظام أقيم في وقت لم يكن فيه للبلدان النامية وجود كبلدان مستقلة، وهو نظام يدعم عدم المساواة. ويتجلى انعدام المساواة في هذا النظام على مختلف الصعد.. استغلال موارد المحيطات بصورة سيئة أو بصورة بالغة الكثافة من جانب قلة من الدول تنتهك الحق المتكافئ لجميع الدول الأخرى في التمتع بنصيبها مما هو هبة الطبية للبشرية جمعاء،.. وما يتم على صعيد إنتاج الغذاء وتوزيعه.. وعلى صعيد انتشار التقنية والصناعات.. وعلى صعيد تأثير الإنسان على البيئة.. وعلى صعيد بُنى التجارة وشروط التبادل التجاري.. وعلى صعيد استخدام المواد الخام.. وعلى صعيد العمل والعمالة. وما يصدق على هذا النظام الاقتصادي يصدق على نظام الاتصال الدولي، وعلى النظام السياسي الدولي، أي على النظام العالمي بجوانبه المختلفة.

 

يتجلى لنا من خلال هذا المشهد الحضاري خطران يتهددان العُمران في عالمنا أولهما خطر طغيان العولميين على البيئة وامتهانهم لها والتعدي عليها بحجة قهر الطبيعة. كما يتمثل في التدخل في ناموس الخلق بدون ضابط وتغيير خلق الله. وقد رأينا فيما سبق من الحديث أمثلة على هذا الطغيان على البيئة. أما التدخل في ناموس الخلق بدون ضابط فإن أمامنا أمثلة عليه في بعض تطبيقات الهندسة الوراثية، بعد أن توصل المشتغلون بعلم الحياة إلى شطر وحدة الوراثة ـ الجين ـ وبنائه من جديد، فأحدثوا ثورة على صعيد الصناعة العلمية قوامها هندسة عملية الحياة للأغراض التجارية بيو تكنولوجي ـ التقنية الحيوية. والواقع القائم اليوم على هذا الصعيد يشير إلى أن قدرات المشتغلين بالطب التقني من أطباء وباحثين تجاوزت العرف التراثي والأخلاقي للبشر على حد تعبير المحرر العلمي لمجلة نيوزويك. والموضوع مطروح على الكافة ومتداول على صعيد المشتغلين بالطب النفسي الذين لا يقفون في بحوثهم عند خطوط حمر، وعلى صعيد الحكومات التي لها اهتمام قانوني في تأمين انتقال الحياة من حبل إلى آخر بشكل منتظم، وعلى صعيد المجتمعات التي تحكمها اعتبارات دينية وخلقية، وعلى صعيد رجال الأعمال الذين يريدون توظيف هذا الجديد واستثماره.

 

الخطر الآخر يواجه الإنسان بخاصة ويتمثل في طغيان بعض البشر على أخوة لهم في الإنسانية وبغيهم عليهم بغير حق في صورة قارونية معاصرة. ومن مظاهره القهر السياسي بصوره المختلفة واتساع الفجوة بين قلة غنية وكثر فقيرة وتفجر الصراعات بين الأقوام والملل والطبقات.

 

إمكانية المعالجة

يبدو مستقبل الحضارة في ضوء ما سبق محل تساؤل الإنسان في عصرنا، ويشتد القلق على مصير الإنسانية والمحيط الحيوي بعامة. ويسود في بعض أوساط أصحاب الرؤية الملحدة الدهرية المادية يأس من إمكانية الإنقاذ فالوقت فات، والساعة هي الخامسة والعشرون، وقد اتسع الخرق على الراتق.. ولكن أصحاب الرؤية المؤمنة ليسوا بيائسين، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، بل إنهم أمضى عزيمة لمواجهة الأخطار التي تهدد الإنسان والكائنات الحية والأرض والاستجابة لتحدياتها. وهم ينطلقون من رؤيتهم المؤمنة في تأملهم لهذه اللحظة التاريخية التي تعيشها الحضارة اليوم، وفي إعمالهم الفكر لتحديد ما ينبغي عمله في ضوء سنة الأولين.

 

لقد وقف أرنولد توينبي طويلاً أمام هذه اللحظة التاريخية في شيخوخته وهو يكتب الإنسان وأمه الأرض، فرأى أن البشرية تأخذ بخناقها أزمة خانقة، وهي لا تقل في شرها عن الحربين العالميتين، والمستقبل مزعج. وعرض احتمال حدوث نكبة من صنع الإنسان تدمر المجال الحيوي وتقضي على البشرية جمعاء مع استكمال الحياة الأخرى، ثم قال هذا احتمال لكنه ليس الخيار الوحيد. ولاحظ أن الإنسان زاد في قوته المادية بحيث أنه اصبح خطراً حتى على بقاء المجال الحيوي لكنه لم يزد إمكاناته الروحية، وقرر أن التغيير الوحيد المعقول في تركيب المجال الحيوي الذي يمكن أن ينقذ هذا المجال هو زيادة القدرة الروحية للإنسان. وأكد علة أن الإنسان يظل بالإضافة إلى أنه طبيعة وجسم يتمتع بروح. وهذه الروح تمتلك الوعي، ومن ثم فالإنسان يمكنه أن يختار إما الخير وإما الشر. وأعرب عن اعتقاده أن مرض المجتمع الحديث لا يمكن شفاؤه إلا بثورة روحية في قلوب بني البشر وعقولهم. فالعلل الاجتماعية لا تعالج بالتغيرات المؤسسية.. فالعلاج الناجي هو روحي لأن كل مؤسسة اجتماعية تقوم على فلسفة أو دين، وهي بحسب القاعدة الروحية التي أقيمت عليها تكون حسنة أو سيئة.. وأنا أوافق على أن الإنسانية بحاجة إلى أساس روحي جديد وكثيرة هي الأصوات التي انطلقت من مختلف أنحاء عالمنا مؤكدة على الحاجة الملحة في عصرنا إلى الإيمان.

 

إن الرؤية المؤمنة المسلمة لهذه اللحظة الحضارية التاريخية تكشف عن وجود إمكانية كبيرة لاختيار الخير وانتصاره على الشر. وهي على يقين من إمكانية النجاة على الصعيدين الفردي والجماعي بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. وهي تستحضر قصص الأولين فنجد أمثلة كثيرة على ذلك، أنهزم فيها الطغيان والبغي بغير حق وانتصر فيها المؤمنون بفضل الله. وهكذا انتهت الفرعونية الطاغية والقارونية الباغية، وأمثالها من المفسدين في الأرض. وتتأمل هذه الرؤية المؤمنة المسلمة تاريخ الحضارات الإنسانية فتلاحظ السنن التي تحكم هذا الصراع بين الخير والشر.

 

إحدى هذه السنن هي قدرة الدين على النفاذ برسالته وقيمه وتعاليمه في أوساط الحضارة التي تعاني أزمة روحية. ومثل على هذه السنة وقف أمامه أرنولد توينبي متأملاً ما حدث في الإمبراطورية الرومانية حين فتحت بلدان الشرق عسكرياً، فوقع هجوم معاكس من قبل الشرق هو اجتياح الأديان الشرقية بلدان الغرب على حد قوله. وقد توقع أن يرتد الغرب والعالم عن عبادة العقائد الحديثة مثل الشيوعية والفردية والعلمانية وعبّر عن أمله أن تنتصر فكرة المحبة من خلال الإيمان بالله. وأوضح في كتابه العالم والغرب أن الأمثال الأعلى للآخاء الإنساني الذي خرج منتصراً من تمازج الحضارات هو أول تفسير لنجاح هذه الأديان التي تخاطب كل الكائنات البشرية دون تمييز في العنصر أو الطبقة أو الجنس، والتي أنقذت أعضاءها بالاتحاد مع كل كائن أعلى، وذلك لأنها تعلمت أن الطبيعة البشرية دون النعمة الإلهية لا تكفي. لقد كان الشرقيون يجربوا نوعين من المتألهين خيبوا الآمال. فالعسكرية المتألهة المتمثلة في الاسكنر كانت فضيحة رنانة. والاسكندر هو قاطع طريق أكثر منه إله. وماذا نقول عن البوليس المتأله أغسطس قيصر! ويمكننا القول أن ما سبق وحصل مرة في الماضي ما زال أحد الأمور الممكنة في المستقبل. والمثل الآخر الذي نستحضره، على هذه السنة هو انتشار الإسلام في أصقاع الأرض، رسالة رحمة للعالمين.

 

إن إنقاذ العُمران الحضاري في عالمنا يبدأ بالدعوة إلى الإيمان بالله سبحانه خالق الموت والحياة الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم..، وباعتماد الرؤية المؤمنة المسلمة في النظر إلى كل الأمور. وهذه الرؤية تقدم نظرة كونية تقول بمبدأ وحدة الأصل البشري ومبدأ كرامة الإنسان ومبدأ النوع ومبدأ التعارف وصولاً إلى التعاون ومبدأ لا إكراه في الدين. وهي تتضمن مفاهيم تتعلق بالإنسان والمكان والزمان تؤكد على استخلاف الإنسان في الأرض وحريته في الاختيار وقدرته على الفعل.

 

أصبحت الحاجة ملحة في عصرنا إلى بلورة مفهوم للحضارة يؤكد على التعمير ويقاوم التخريب الذي نرى أمثلة كثيرة عليه وهو يتم باسم الحضارة ويستهدف البيئة والإنسان على السواء. وآفاق التعمير رحبة للارتفاع بصرح العُمران. وقد رأى محمد إقبال في كتابه تجديد التفكير الديني في الإسلام أن العالم كما صوره القرآن لم يخلق عبثاً، وهو مرتب على نحو يجعله قابلاً للزيادة والامتداد يزيد في الخلق ما يشاء في صميم كيانه قوة مبدعة وروح متصاعدة، تسمو قدماً من حالة وجودية إلى حالة أخرى. ولقد قدر عليه أن يشارك في أعمق رغبات العالم الذي يحيط به، وأن يكيف نفسه ومصير العالم كذلك، تارة بتهيئة نفسه لقوى الكون، وتارة أخرى ببذل ما في وسعه لتسخير هذه القوى لأغراضه ومراميه. وفي هذا المنهج من التغير التقدمي يكون الله في عون المرء شريطة أن يبدأ هو بتغيير نفسه، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والرؤية المؤمنة المسلمة تحث على التعمير وهي توفر النظرة الشاملة لمفهوم العُمران الحضاري التي تحيط بجميع جوانب الحياة، وتحقق التكامل بين مختلف الأبعاد في النفس الإنسانية وفي الاجتماع الإنساني على السواء، وتحدد بدقة مكان الإنسان في الطبيعة. وقد أشار ماكس شيلي في كتابه الذي يحمل هذا الاسم إلى حالة الاضطراب التي آلت غليها الدراسات الفلسفية عن الإنسان في الغرب، حيث لا تتوافر من خلالها فكرة موحدة عن الإنسان. ومفهوم العُمران الحضاري هذا يأخذفي الاعتبار وحده العالم من خلال تنوعه حين يدرس جزءاً منه، وترابط أبعاد الحياة الإنسانية بحيث تكون المشكلة هي التنمية مثلاً يكون علينا كما يقول البرتو دي رأينا أن نوضح ما هو أساسي وجوهري.. الإنسان، العدل، الحب، الحرية،الكرامة الشعر، الجمال، القيم الروحية، والإيمان نظرياً وعملياً، لأن النموذج الاقتصادي الذي يغفل ذلك يهبط بالفن إلى منزلة البضاعة، ويهوي بالعلم إلى أن يصبح أداة، وينحط بشأن الأفكار لتصبح محسوبة بمصطلحات الربح والخسارة، وهناك طرق كثيرة نتصور بها العالم لا تعتمد عل قانون العرض والطلب أو على القيود التي تفرضها اعتبارات الربح والكفاءة أو على قدرة شيطان الجشع الوقحة.

 

الحاجة أيضاً إلى أن يكون التعامل مع البيئة والمحيط الحيوي انطلاقاً من الرؤية المؤمنة المسلمة التي رأينا كيف تنظر إلى الأرض وإلى السماء وإلى جميع المخلوقات في إطار وحدة خلق الله بالميزان الذي وضعه الله سبحانه لمخلوقاته جميعاً ومنها الإنسان. وبقدر ما تحث هذه الرؤية على التعمير والإفادة مما سخره الله للإنسان بقدر ما ترفض فكرة الصراع مع الطبيعة وقهرها، وتأبى التغيير في خلق الله. وقد حذر القرآن الكريم من اتخاذ الشيطان ولياً من دون الله حين يعد عباد الله ويمنيهم ويأمرهم بتغيير خلق الله، فأورد على لسان الشيطان في سورة النساء "وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً، ولأضلنهم ولأمنيهم ولآمرنهم فليبتكن (فليقطعن أو فليفتشن) آذان الأنعام، ولآمرنهم فليغيرن خلق الله. ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً. يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً" (الآيتان 119، 120). وهكذا تحدد هذه الرؤية المؤمنة الضوابط في التعامل مع البيئة.

 

الرؤية المؤمنة المسلمة

توفر الرؤية المؤمنة المسلمة إمكانية النجاح في إزالة مسببات التوتر في عالمنا وإخراج السلام من أزمته الحادة وإقامة نظام عالمي يحقق العدل. فهي تعترف بمبدأ الاختلاف بين الناس باعتباره سنن الله في الكون، وبمبدأ الحق في الاختيار، وبمبدأ كرامة الإنسان، وبمبدأ وحدة أصل البشرية، وبمبدأ التعارف وصولاً إلى التعاون على البر والتقوى. فلا طغيان، ولا عنصرية، ولا استلاب هوية، ولا إكراه في الدين.

 

إن هذه الرؤية المؤمنة المسلمة كفيلة بتحقيق التكامل بين العقيدة والأخلاق والقانون. فمحور الأخلاق فيها و الدين الذي جاء به الوحي الإلهي، وهي من ثم ليست نسبية. وتطبيق القانون يتم وفق معيار واحد بمساندة الضمير الذي تحييه العقيدة.

 

واضح أن العمل المطلوب لإنقاذ العمران الحضاري يتطلب جهوداً كبيرة تبذل على عدة مستويات.

 

هناك أولاً المستوى المؤسسي العالمي. فعالمنا المعاصر يشهد نمواً مستمراً في المؤسسات العالمية بحكم ثورة الاتصال التي يعيشها. والاقتناع أصبح راسخاً فيه بأن قضايا العالم ومشكلاته مترابطة ومتداخلة، وأن معالجتها تتطلب فترة زمنية طويلة نسبياً، وأن أي تصورات أو نماذج مستقبلية شاملة مستقبل الجنس البشري على كوكب الأرض لا بد أن تأخذ في اعتبارها العجل والإنصاف بين الناس، وهذه الأمور الثلاثة ضمنها نادي روما رسالته. والدعوة تتردد على الصعيد العالمي لعمل مشترك يتضمن مقترحات للتغيير في الؤسسات والقوانين. وقد خصص تقرير مستقبلنا المشترك آخر فصوله لهذه الدعوة. ولا بد أن تتعاون الدول على إحداث هذا التغيير والقيام بهذا العمل المشترك. وتوفر الرؤية المؤمنة المسلمة أفضل مناخ لهذا التعاون بما يؤكد عليه من وحدة البشر وأخوتهم وعالمية رسالتها "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

 

هناك ثانياً مستوى العمل المجتمعي الأهلي الذي يحقق التعاون بين الجماعات في عمل طوعي أساسه الإحسان. وقد برز في حضارتنا العربية الإسلامية في صور كثيرة وكان لنظام الوقف دور فيها، كما برز في حضارات أخرى، وهو يعرف في حضارة الغرب اليوم باسم المجتمع المدني. ويمكن للعمل في هذا المستوى أن يحقق الكثير حين تحكمه الرؤية المؤمنة المسلمة التي تحث على التعاون على البر والتقوى، وعلى التكافل، وعلى الإنفاق والتراحم.

 

هناك ثالثاً مستوى عمل الفرد. والعمل فيه يستطيع أن يحقق الكثير مما لا يمكن للمستويين السابقين النهوض به. وفيه يبرز أثر الضمير وأثر الأخلاق وأثر الإيمان إلى جانب أثر القانون. والرؤية المؤمنة المسلمة ترتفع بهذا العمل إلى أعلى ذروة من خلال العلاقة التي تقوم بين العبد وربه في صورة الإحسان الذي عرفه الحديث القدسي أن تعبد الله كأنك تراه فغن لم تكن تراه فإنه يراك. وهي تؤكد أن النجاة يوم القيامة تعتمد اعتماداً كلياً على العمل الصالح الذي يقوم به الفرد المؤمن، وكل آتيه يوم القيامة فرداً، والرؤية المؤمنة المسلمة ترى هذا العمل في إطار العمل الكلي فالواحد منا يقف على ثغرة البناء الشامل فلا يؤتين من قبله. والمرء منا لا يحقرن من المعروف شيئاً. ويتضمن هذا العمل فيما تضمن الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والنصيحة والمشورة والجهر بالحق.

 

وبعد..

فواضح أن مسئولية إنقاذ العمران الحضاري في عالمنا تقع على كاهل جميع المؤمنين فيه. ولا بد لهم أن يتكاتفوا معاص لعمل الصالحات. وإن لهم من أجل تحقيق هذا التكافل أن يتحاوروا ويتعارفوا بهدف الوصول إلى لقاء والتعاون على البر والتقوى. وإن لهم أن يأتوا إلى كلمة سواء، وأن يستبقوا الخيرات. ويشهد العالم اليوم حركة واسعة على هذا الصعيد تشمل المؤمنين من مختلف الأديان، وهي تستحق أن تشجع.

 

إن للإنسان المسلم أن يستشعر مسئولية خاصة في إطار هذه المسئولية الجماعية، انطلاقاً من اعتقاده بأن الإسلام هو خاتمة الرسالات السماوية وأن الدين عند الله الإسلام ,ان الله سبحانه نزل الذكر وقال إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون وأنه تعالى أرسل نبيه الأمين رحمة للعالمين. ويستطيع الإنسان المسلم أن ينهض بهذه المسئولية ويقوم بدوره على أكمل وجه من خلال القيام بقراءته المعاصرة لتعاليم دينه، وقرن الفكر بالفعل، وطرح رؤيته المؤمنة المسلمة للأمور في العالم أجمع. وإن مما يلفت النظر أن حركة فكرية قوية يشهدها العالم الإسلامي اليوم تسعى للقيان بهذا الدور بروح الاجتهاد والتجديد.

 

إن دائرة الحضارة العربية الإسلامية حافلة بالإمكانات التي يمكن أن يوظفها الإنسان المسلم في القيام بدوره. وقد تناولت كتابات كثيرة بالدراسة لهذه الإمكانات، وبحثت في إمكانية قيام نظام إقليمي لهذه الدائرة، وفي مكان هذا النظام الإقليمي من نظام عالمي سليم نعمل لإقامته، في ظل الصحوة التي وضحت معالمها في عالمنا الإسلامي.

 

إن عالمنا يشهد ظهور علامات مبشرة في الأفق ـ كما يقول شاندرا مظفر في بحثه القيم نحو رؤية روحية للإنسان ـ منها قيام جماعات محلية كثيرة هنا وهناك تتعاون على معالجة مشكلاتها، وجماعات البيئة الخضر التي تتعاون لحماية المحيط الحيوي، والناشطين من أجل السلام القائم على العدل، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمصلحين الدينيين، والداعين إلى رفع الظلم عن المرأة والطفل. إ الإنسان المسلم قادر على الإسهام في إغناء عمل هذه الجماعات وتحقيق التعاون بينها لإنقاذ العمران الحضاري في عالمنا.

 

إن لنا أن نثق بقدرة الإنسان المؤمن في عالمنا على مواجهة التحديات التي تهدد مستقبل العمران الحضاري، وهو متجه إلى رب العالمين الرحمن الرحيم مقراً وداعياً إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. آمين؛ ومقبل على عمل الصالحات والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

http://www.aldajani.org/htm/article_6.htm

(0) تعليقات

الحوار مع الآخر في الإسلام

أحمد صدقي الدجاني

 

موضوع هذا البحث هو "الحوار مع الآخر في الإسلام". وهو مقدم لمؤتمر "الإسلام وقضايا العصر" الذي دعت إليه "اللجنة الوطنية العليا لإعلام عَمان عاصمة للثقافة العربية عام 2002". وقضايا العصر التي يناقشها المؤتمر فضلاً عن قضية الحوار مع الآخر هي قضية الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وقضية المرأة، وقضية النظام العالمي. وقد عهدت إلى عدد من أهل الفكر بمعالجتها.

 

ي معالجتي للموضوع أقف بداية أمام دلالات مصطلح "الإسلام" من حيث كونه ديناً وحضارة ودائرة حضارية. ثم أتناول عملية الحوار بالنظر والتحليل. واستحضر من ثم قضايا العصر. وأتعرف على الآخر في كل دوائره. وأصل إلى ما يعنيه "الحوار مع الآخر في الإسلام" نظرياً وعملياً في عالمنا المعاصر.


مفاهيم


(1) "الإسلام" ديناً هو الرسالة السماوية الخاتمة التي أرسل الله سبحانه محمداً بن عبد الله بها "شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بأمره وسراجاً منيراً". وهذه الرسالة تمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة الرسالات التي حملها رسل الله السابقون الذين كانوا مسلمين لله. والمؤمنون بهذه الرسالة الخاتمة ينسبون للإسلام فهم "المسلمون". وكتابهم هو "القرآن" الذي نزل به الوحي الأمين على الرسول (ص). وهو يتضمن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. ومن هذه الكتب التوراة والإنجيل المنزلين على موسى وعيسى عليهما السلام. وقد نظر المسلمون إلى اليهود والنصارى المسيحيين على أنهم "أهل كتاب". واحترمت دولة الخلافة الإسلامية معتقداتهم، إذ لا إكراه في الدين" واعتبرتهم في "ذمتها" فهم "أهل ذمة" لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.

 

الإسلام حضارةً، هي تلك الحضارة التي أقامها المسلمون وغير المسلمون من شعوب الدولة الإسلامية على اختلاف مللهم وأقوامهم، وانتموا جميعاً إليها. وقد عرفت باسم "حضارة الإسلام" أو "الحضارة الإسلامية"، وتمثلت حضاراتٍ سبقتها. وهي اليوم في القرن الخامس عشر من قيامها/ واحدة من ثماني حضارات في عالمنا المعاصر.

 

والإسلام دائرة حضارية هو ديار المسلمين أو العالم الإسلامي أو بتحديد أدق جميع الأقطار التي تنتمي شعوبها لحضارة الإسلام من المسلمين والمسيحيين واليهود وملل أخرى. وهي تمتد في قارات العالم القديم آسيا وإفريقيا وأوروبا. وهناك من أبنائها من هاجر إلى العالم الجديد.


(2) "الحوار": في تناولي "عملية الحوار بالنظر والتحليل" استحضر ما كتبته عنها في كتابي "حوار ومطارحات". وفيه "لقد شاع استخدام كلمة "الحوار" في لغتنا هذه الأيام على مختلف الصُعُد. فالحديث يدور حول "حوار الحضارات" وحوار التيارات "الثقافية" المختلفة، و"حوار الشمال والجنوب"، و"الحوار العربي الأوروبي"، و"الحوار الإسلامية المسيحي". فالحوار اليوم هو من"روح" العصر وإحدى ظواهره الهامة. وقد تميز عصرنا بثورة الاتصال التي إحدى ثمار ثورة العلم التي تفجرت فيه. ومع ثورة الاتصال هذه بأجهزتها السلكية واللاسلكية المسموعة والمرئية، وبوسائلها البرية والبحرية والجوية قَوِيَ "التواصل بين بني الإنسان، واتسعت دائرة الحوار وتنوعت موضوعاته بصورة لم تعرفها الإنسانية من قبل". وشاهد على ذلك هذا العدد الضخم للمؤتمرات والندوات والاجتماعات التي تعقد كل يوم في عالمنا وتنوع الموضوعات التي تبحثها.


ننظر في كلمة "حوار" ونستعين بالمعجم في تحديد معناها، فنجد أنها من "الحَوْر" وهو "الرجوع عن الشيء وإلى الشيء". و"حار حوْاراً" إلى الشيء "رجع عنه وإليه". وما رجع إلى المرء حين يكلم آخر هو "حِوَار (بفتح الحاء وكسرها) ومحاورة وحَوير ومَحُورة" أي "جواب". وأحار عن جوابه أي ردّه. ويقال "سمعت حَويرهَما وحِوارهما". والمحاورة هي المجاوبة. والتحاور هو التجاوب. وهم يتحاورون أي يتراجعون في الكلام. والمحاورة هي مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة.


"الحوار" إذاً "عملية" تتم بين اثنين أو أكثر. وهي تتضمن حين تجري بين اثنين "طرحاً" من أحدهما يتمثله الآخر "ويجيب" عليه، فيحدث "تجاوب" يُولد عند كل منهما "مراجعة" لما طرحه من كلام ومنطق حكم هذا الكلام. وقد تثمر هذه المراجعة طرحاً ثانياً  يتبعه تجاوب ومراجعة فتكون "مُرادّة في الكلام". فهذه المرادة هي المحاورة والحوار عند الأصبهاني صاحب "المفردات في غريب القرآن". وقد ورد في القرآن الكريم الفعل المضارع "يحاوره" مرتين في سورة أهل الكهف في قصة "الرجلين والجنتين" و"تحاوركما" في سورة المجادلة.

 

تتعدد أطراف "عملية" الحوار حين يجري بين أكثر من اثنين، فيتلقى "الطرح" أكثر من "جواب" وتتسع دائرة "التجاوب" و"المراجعة" و"المرادة" وتثمر طروحاً أخرى تصل بهذه الأطراف إلى أجوية أخرى. وقد تنتهي بهم إلى الاتفاق أو إلى اطمئنان كل منهم لما توصل إليه.

 

لعل أبرز ما يستوقفنا في دلالة لفظ "حوار" هو هذه "المراجعة" التي تحدث. "فالحوْر" هو "التردد" أما بالذات وأما بالفكر. وحار المرء في الغدير "تردد"، وحار في أمره أي "تحير". ومن هنا يتميز "الحوار" بأنه يتضمن في طياته عملية تحدث، وتجري خلالها مراجعة. فالموقف المتخذ في هذه العملية ليس سكونياً قطعياً غير قابل للتغيير والتبديل، وإنما هو حركي قابل للتحول.

 

هنا يبرز الفرق بين "الحوار" و"الجدل" الذي هو "المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة". وأصله من "الجدل" وهو "إحكام الفتل"، فكأن المتجادلين يفتل كل واحد منهما الآخر عن رأيه. وقيل أيضاً الأصل في الجدال الصراع. وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصلبة. فالموقف الذي يتخذه المجادل قطعي. وهو يرمي في جداله تحويل الآخر عن رأيه دون أن يراجع نفسه على ضوء ما يتلقاه من رد وجواب. وقد تضمن أولى آيات سورة المجادلة الكلمتين لتبرز هذا الفرق بين موقفين "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما".. فالمرأة هنا وهي الصحابية الجليلة خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها كانت "تجادل" رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما كان هو "يتحاور" معها.

 

بقي أن نقول في معرض تحديدنا لمعنى كلمة "حوار" أن الحوار هو "حديث" يتضمن "طرح" أفكار. والطرح لغة الإلقاء بعيداً. وطرح عليه مسألة يعني ألقاها. ومنها اشتقت "الأطروحة" وهي المسألة التي تطرح، و"المطارحة". وعملية الحوار تشهد مطارحة أفكار. وهي تتضمن "محادثة". لأن الحديث هو كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في اليقظة أو في المنام. ونشير أخيراً إلى ما تتميز به كلمة "حوار" من جرس موسيقي يوحي بوجود مراجعة وتفاعل ونتأمل عملية "الحوار" على الطبيعة كما تجري في المحافل، فنجد أنها تبدأ "عسيرة" ثم "تتيسّر"  تدريجياً حتى تصل إلى مرحلة "التناغم" وتبلغ "الذروة" فتثمر "نتائج" محددة.

 

أمر آخر نجده في عملية "الحوار" ونحن نتأملها. ذلك هو ما يفجره "التفاعل" الذي تشهده في عقل كل مشارك فيها، فتتدفق الأفكار فيه تدفقاً، وتلمع البوارق، وتثور الخواطر، وكأن عقل الإنسان الفرد بحاجة إلى أن "يقدح" بعقل إنسان آخر كي تتقد الأفكار فيه.

 

لقد أبرز أبو حيان التوحيدي تلك الخاصية من خواص الحوار في كتابه "المقابسات". فمعنى المقابسات كما يقول الدكتور إبراهيم الكيلاني الذي قدم للكتاب هو "أن يشترك اثنان أو أكثر في محاورة علمية أو فلسفية فيقبس أحدهما العلم والمعرفة من الآخر، ويعطيه ما عنده منهما". والكلمة مشتقة ن "قبس"منه ناراً فأقبسه أي أعطاه منها. وفي المجاز أقبس منه علماً أي استفاد. وفي الحوار دوماً مقابسة تأتي من خلال المحادثة ومطارحة الأفكار. ومن خواصه أن يقدح زناد العقول فتشع أفكاراً.

 

نصل من خلال تأملنا في عملية "الحوار" إلى إدراك عظيم جدواها وفوائدها، وإلى استشعار مدى حاجة الإنسان إليه.

 

(3) قضايا العصر في عالمنا يحددها واقع قائم. ونحن نستحضرها في هذا المؤتمر في وقت يعيش فيه عالمنا فترة عصيبة، وهو يشهد أحداث حرب من نوع خاص تنذر بزلازل عالمية، فيكتم أنفاسه تحسباً من تداعياتها ومضاعفاتها. وتبدو الحاجة ملحة لأن يحل الحوار محل الصراع وصولاً إلى تعارف فتعاون تتغلب فيه الحكمة ويؤدي إلى معالجة المشكلات التي نجمت عن هذه القضايا من جذورها كي يستتب سلام قائم على العدل.

 

لقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية هذه الحرب يوم 7/10/2002 باسم "الحرب ضد الإرهاب" بعد أقل من شهر على حدث 11/9/2001 في نيويورك وواشنطن. واستهدفت مع بريطانيا وتحالف دولي أفغانستان، للقضاء على حكومة طالبان وتنظيم القاعدة. وعاش العالم أخبار فظائع ما جرى هناك. ولا تزال الأحداث الجارية في تلك الجبهة بين حين وحين تدل على أنها مستمرة كجبهة حرب.

 

كانت الإدارة الأمريكية قد أعطت الضوء الأخضر للحكومة الإسرائيلية لبدء حرب في فلسطين في أعقاب فشل مفاوضات كامب دافيد الثانية في صيف عام 2000 في فرض التنازل عن القدس على المفاوض الفلسطيني، فكان أن قام مجرم الحرب ارييل شارون بانتهاك حرمة المسجد الأقصى يوم 27/9/2000، وبدأت انتفاضة الأقصى في اليوم التالي. وقد استهدفت واشنطن من هذه الحرب القضاء على حركة التحرير المستمرة لشعب فلسطين العربي ضد الغزو الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري وإذلاله وأمته العربية ودائرته الحضارية الإسلامية باغتصاب القدس عنوة بمقدساتها المسيحية والإسلامية. وعهدت أمريكا للجيش الإسرائيلي بتولي الحرب في جبهة فلسطين، مجاهرة بتزويد الحكومة الإسرائيلية بالسلاح والدعم المادي والمعنوي. ولا تزال الأحداث الجارية في جبهة فلسطين، من جرائم صهيونية يومية ودخول الانتفاضة عامها الثالث تدل على مدى احتدام الحرب فيها.

 

وها هي الإدارة الأمريكية قد حشدت آلتها العسكرية لشن حرب على العراق وفرضت مع بريطانيا على الأمم المتحدة إصدار قرار مجلس الأمن 1441 الفريد من نوعه بين القرارات الدولية الذي ينظم عمل فريق تفتيش دولي على أسلحة الدمار الشامل في العراق بزعم امتلاك الحكومة هناك هذه الأسلحة. وتوضح دراسات تحليلية للتحرك الأمريكي هذا على أنه يستهدف إكمال سيطرة القطب الواحد الأمريكي على النفط في العالم وإحكام قبضته على المنطقة العربية ودائرة الحضارة الإسلامية، والحيلولة دون قيام أقطاب آخرين. وقد دللت المناقشات في مجلس الأمن حول ذلك القرار تململ دول كبيرة من التحرك الأمريكي ومحاولتها عرقلته. وتشير الأحداث الجارية على هذا الصعيد إلى أن خطر فتح جبهة أخرى في هذه الحرب ماثل، وكثيرون في عالمنا يحبسون أنفاسهم ويضعون أيديهم على قلوبهم تحسباً من أهوال متوقعة.

 

جاء تفجر هذه الحرب في مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي بعد أن عاش عالمنا في القرن العشرين فظائع حربين عالميتين والعديد من الحروب المحلية والإقليمية في زمن ما عرف بالحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي قائدتي المعسكرين الغربي والشرقي في إطار الحضارة الغربية. وهكذا عاش عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية واقعاً قائماً حافلاً بالقضايا والمشكلات والتحديات.

 

هذا الواقع القائم تناولَتْه بالدراسة والنظر بحوث ودراسات وتقارير كثيرة. وقد عرضْتُ خطوطه العريضة في بعض كتبي وبخاصة "عُمران لا طغيان" و"عن المستقبل". واستحضر هنا في هذا المجال عصارات تعرّف به.

 

يجري الحديث فيه عن مشكلات فيه تتحدى الإنسان، ومنها مشكلات "حماية البيئة والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية لاسيما غير المتجددة منها وأزمة الطاقة والعمالة والتضخم والكفاح ضد الآفات الاجتماعية التي لا تزال تعاني منها غالبية الشعوب والقضاء على أوجه الظلم وعدم المساواة التي تنتشر داخل الأمم وتسود فيما بينها والدفاع عن حقوق الإنسان والكفاح ضد مخلفات الاستعمار وحماية السلام ونزع السلاح"، كما أوضح تقرير اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال الذي صدر عن اليونسكو عام 1981.

 

كما يجري الحديث في هذا الواقع عن "أقلية من الناس في عالمنا تمتلك النصيب الأكبر من الثروات والدخل. وهناك مئات الملايين من البشر جوعى بينما أقوام آخرون منهمكون في الاستهلاك على نطاق ضخم. والدول المالكة لكثير من المواد الخام لا تشترك إلا هامشياً في الإنتاج الصناعي. وقد أصبح اعتماد الأغلبية على الأقلية أكثر وضوحاً ورسوخاً، وبانت الفجوة بين دول يقع معظمها في الشمال ودول يقع معظمها في الجنوب. وهذه الفجوة آخذة في الاتساع. وأوجه التفاوت آخذة في الزيادة حجماً وتطوراً وقد لاحظت الفقرة الأولى من إعلان الأمم المتحدة الخاصة بإقامة نظام دولي جديد الذي صدر في أيار ـ مايو 1974 "أن مكاسب التقدم التقني ليست مقسمة بالتساوي بين أعضاء المجتمع الدولي. وقد ثبت أنه من المستحيل تحقيق تنمية عادلة ومتوازنة للمجتمع الدولي في ظل النظام الاقتصادي الحالي. ذلك بأن الفجوة بين البلدان النامية وجود كبلدان مستقلة، وهو نظام يديم عدم المساواة".. على صعيد استغلال موارد المحيطات بطريقة سيئة أو بصورة بالغة الكثافة من جانب قلة من الدول تنتهك الحق المتكافئ لجميع الدول الأخرى في التمتع بنصيبها مما هو هبة الطبيعة للبشرية جمعاء.. وعلى صعيد إنتاج الغذاء وتوزيعه.. وعلى صعيد انتشار التقنية والصناعات.. وعلى صعيد تأثير الإنسان على البيئة.. وعلى صعيد بنى التجارة وشروط التبادل التجاري.. وعلى صعيد استخدام المواد الخام.. وعلى صعيد لعمل والعمالة. وما يصدق على هذا النظام الاقتصادي الدولي يصدق على الاتصال الدولي، وعلى النظام الدولي السياسي، أي على النظام العالمي بجوانبه المختلفة.

 

واضح أن الواقع القائم في عالمنا محكوم بما يصطلح على تسميته بالنظام العالمي الذي يعود في أصوله إلى النظام الأوروبي، وهو نظام بدأ يتكون في أوروبا منذ القرن السادس عشر الميلادي ولم يلبث أن حكم العلاقات بين الدول الأوروبية في أوروبا ثم في خارجها في القارات الأخرى إبان عصر الاستعمار الأوروبي. وكان عالمنا قد عرف أنظمة أخرى في مناطق أخرى، من بينه النظام الذي عرفته الحضارة العربية الإسلامية في علاقتها مع الشعوب والدول الأخرى، وهو نظام قام على نظرية وكانت له طبيعته ومصادره، كما أوضح مجيد حذوري في تقديمه لكتاب السير للشيباني.

 

تتحدث الدراسات المستقبلية التي عالجت النظام العالمي القائم عن البدائل المطروح ضمن مشاهد مستقبلية وعن أنماط التفاعلات الدولية الجارية فيها، فتتصور ثلاثة أنظمة للتفاعلات تحدد شكل العلاقات الدولية مستقبلاً، وهي نظام التعاون والتنافس، ونظام التوتر والردع، ونظام العنف والحرب. وهي تقرر أن نظام التسلح ظل متقدماً على الحد من التسلح، وتحذر من سيادة قيم ثقافة حسية في الغرب بمعسكريه ومن محاولة الانغماسيين في المجتمعات الأخرى تبينها لأنها لن تكون نابعة عن علاقة  أصيلة عضوية مع قوى الإنتاج التقنية الأمر الذي يؤدي إلى ردود فعل قوية لدى الجماهير ترفضها في شكل عقائد وتراها ملازمة للتبعية، كما تنبه إلى خطورة احتمال أن تسود علاقات الاعتماد غير المتكافئة أو علاقات التبعية على صعيد النظام الاقتصادي فتتلاشى الشخصية المعنوية للدول الأضعف، وفق ما عرضه عبد المنعم سعيد في كتابه "العرب ومستقبل النظام العالمي" لآراء كوهن ووايز ومايلز وكول وجيرشني وكوين وناي وغيرهم من دارسي المستقبل في الغرب.

 

إن النظر في واقع النظام العالمي القائم وأصوله ورؤى مستقبله يوصل إلى الشك في قدرته على أن يثمر تعاوناً دولياً لحل مشكلات عالمنا. ويوضح أن هناك مسببات توتر توجد في ظل هذا النظام هي الاستعمار والاستعلاء العنصري والاستغلال الطبقي والتعصب الديني والصراع العقيدي والإرهاب الرسمي وغير الرسمي، وأن وراء هذه المسببات أزمة قيم تفعل فعلها في هذا النظام يجري فيها إنكار الغير وعدم التسليم باختلافه والكيل بكيلين وتسلط فكرة القوة الغاشمة والمصلحة المتأثرة بدلاً من الحق والعدل وتحكم فكرة الصراع بدلاً من التعارف والتعاون واعتبار الطبيعة عدواً يصارعه الإنسان ويقهره. وينتهي هذا النظر في واقع النظام العالمي إلى ملاحظة أن الإحساس بالأخطار الناجمة عن أزمة القيم هذه أصبح قوياً في عالمنا بعد أن هددت الجميع وأنذرت بفتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة، وأنها تدعو إلى مراجعة وقد بدأت هذه المراجعة فعلاً في عوالم عالمنا الثلاث، وهي تشهد تفاعلات في الأعماق وعلى السطح وتؤدي إلى تغييرات، وأن عالمنا يشهد صحوة الفكر الفلسفي الذي عاد إلى طرح التساؤلات الفلسفية الأولى كما يشهد ظاهرة إحياء روحية تفاعلت في تكوينها عوامل مختلفة سياسية واجتماعية وثقافية ويشهد أيضاً وعياً في الذات القومية ونزوعاً إلى الوحدة القائمة على التنوع.

 

النتيجة التي نتوصل إليها هي أن النجاح في معالجة هذه القضايا يقتضي العمل لإقامة نظام عالمي يعتمد القيم العلا المبادئ الأخلاقية لأن اختبار الإنسان عبر التاريخ يظهر أن أي نظام على أي صعيد يفقد معناه إذا لم يفعل ذلك، وأن السلام يتحقق حين يسود نظام قيمي أخلاقي. كما يقتضي التواؤم مع البيئة انطلاقاً من إدراك أن الإنسان جزء من نظام الكون، ووعي مختلف الأقوام والدول بحقيقة انتمائهم إلى الدائرة العالمية إلى جاني انتمائهم لدوائر الموطن والقوم والعقيدة والحضارة، والاعتراف بالتعددية القومية والحضارية والانطلاق منها إلى الوحدة القائمة على التنوع من خلال تحقيق التفاعل بين مختلف الثقافات.

 

تبيِّن هذه النتيجة بخاصة أهمية كل من العقيدة والانتماء القومي والحضاري في التعامل مع قضايا العصر. كما تبيِّن أن هناك دوراً ينتظر الحضارة العربية الإسلامية كي تقوم بالإسهام في صنع الاستجابة الصحيحة لتحديات العصر ومعالجة مشكلات عالمنا.

 

تبيِّن هذه النتيجة أخيراً أن عدم التصدي لمعالجة قضايا العصر واستمرار النظام العالمي الحالي سيعني سيادة علاقات التبعية على صعيد النظام الاقتصادي. الأمر الذي سيؤدي إلى أن يشهد عالمنا تفاعلات ضمن نظام التوتر والردع تتحول إلى تفاعلات ضمن نظام العنف والحرب، فيستحيل من ثم قيادة نظام التعاون والتنافس.

 

لا بديل إذاً أمام أمتنا والأمم الأخرى التي تعاني من النظام العالمي الحالي عن أن تحشد كل طاقاتها لإقامة النظام العالمي الجديد الذي يعتمد القيم العلا والمبادئ الأخلاقية مع المصلحة ويحقق تواؤم الإنسان مع نفسه ومجتمعه وبيئته.

 

(4)الآخر: يتحدد تبعاً للمتكلم مفرداً كان أو جمعاً (أنا ونحن) وجمعه "الآخرون". وهو مرتبط بالذات والذوات. وقد شاع استخدامه للدلالة على "الغير". ويفضّل طاهر لبيب محرر كتاب "صورة الآخر" استخدام مصطلح "الآخرية" بدلاً من "الغيرية"، والآخرين بدلاً من الأغيار. وهو يلاحظ أن الجهل بالآخر ومن ثم رفضه ظاهرة متفشية بين الثقافات. والحق أن المعرفة بالآخر غنى والجهل به فقر. وينبّه طاهر لبيب أيضاً إلى "أن العزلة الثقافية تؤدي إلى العنصرية، وأن صورة الآخر ليست هي الآخر". ونضيف وهي تختلف تبعاً للمعرفة أو الجهل به. وقد أوضحت في كتابي "الحوار العربي الأوروبي" أن هناك في واقع الأمر أربع صور تتعلق بالأنا وبالآخر، هي صورته عني، وصورته عن نفسه، وصورتي عنه، وصورتي عن نفسي، وهي ليست متماثلة. وضربت أمثلة على ذلك في شرح مفصل.

 

والآخر موجود في كل دوائر انتماء "الأنا". الانتماء الوطني لقطر له "جنسية". والانتماء الديني وفي إطاره الانتماء المذهبي. والانتماء القومي وفي إطاره الانتماء الطائفي. والانتماء الحضاري. ويجتمع الأنا والآخر في دائرة الانتماء الإنساني لأمِّنا الأرض وللبشرية جمعاء. وقد عبر عن الإدراكِ بهذه الحقيقة الشاعر العربي بقوله          "إذا كان أصلي من ترابٍ فكلُهَا بلادي وكل الناسِ فيها أقاربي"

 

نركز النظر على الانتماء الحضاري، فنجد أن "الآخر" بالنسبة للمنتمي للحضارة الإسلامية هو المنتمي لواحدة من الحضارات الأخرى في عالمنا. وقد أوضحت في كتابي "عرب ومسلمون وعولمة" بعد أن استعرضتُ عدداً من الآراء بشأن هذه الحضارات "أن الرأي الذي نطمئن إليه بعد إعمال فكر وإمعان نظر، هو أن هناك اليوم ثمان دوائر حضارية يمكن التمييز بينها تكشفها النظرة المحيطة، وتسود في كل منها حضارة غالبة لها خصائصها. فهناك الغربية بفرعيها الأوروبية والأمريكي الشمالي، والحضارة الأمريكية الجنوبية التي جاءت ثمرة تفاعل حضارة المستعمرين المستوطنين الغربية القادمين من شبه جزيرة أيبريا مع حضارة سكان البلاد الأصليين مع الحضارة الإفريقية المتأثرة بالحضارة الإسلامية. ونحن مع الرأي الذي يميزها عن الحضارة الغربية. وهناك الحضارة الصينية والكونفوشوسية، والحضارة اليابانية في أقصى الشرق في آسيا، والحضارة الهندوكية في الهند، وهناك الحضارة الأرثوذكسية السلافية في روسيا وأوروبا الشرقية الجنوبية. وهناك الحضارة الإفريقية السائدة في جنوب الصحراء في قارة إفريقيا، والحضارة الإسلامية بفروعها في آسيا وإفريقيا.

 

فإذا ما ركزنا النظر على الانتماء للدولة الوطنية القطرية بحدودها القائمة، نجد أن الآخر هو المقيم فيها أو الزائر لها الذي يحمل جنسية أخرى، فهو "غير مواطن".

 

و"الآخر" بالنسبة للانتماء الديني هو من يعتنق ديناً آخر. فهو عند المسلمين واحد من غير المسلمين الذين لديهم ديانات أخرى. وهو أيضاً بالنظرة المذهبية في الدين الواحد ينتمي لمذهب آخر.

نسوق مثلاً على هذا التعدد لمفهوم الآخر تبعاً لدائرة الانتماء، ما طرحه يوسف القرضاوي في كتابه "أوليات الحركة الإسلامية" الصادر عام 1990م. فهو يتحدث عن "الحركة الإسلامية والأقليات العرقية والدينية وعنها والحوار مع الآخرين" الذين صنفهم إلى علمانيين، وعقلاء الحكماء، والعقلاء في الغرب، والحوار الديني (الإسلامي المسيحي)، والحوار الفكري (مع المستشرقين) والحوار السياسي مع الغرب.

 

الأساس النظري للحوار مع الآخر في الإسلام

توفر العقيدة الإسلامية أساساً قوياً للحوار مع الأديان بعامة، وبين بني الإنسان في مختلف الموضوعات، يكون الانطلاق منه إلى مباشرة الحوار. فالإسلام يعتبر أن "مبدأ الاختلاف بين الناس هو أحد سنن الله في الكون، وهو واقع بمشيئة الله سبحانه". ويرتبط بهذا المبدأ "مبدأ الحق في الاختيار" فلا إكراه في الدين. والإسلام يقرر أن الله خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل "ليتعارفوا" ودعاهم إلى التعاون على البر والتقوى. وقد باشر نبي الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حواراً مع أتباع الديانتين النصرانية واليهودية. وجاءت "الصحيفة" متضمنة أساس التعايش والتعاون، ومشجعة على استمرار الحوار. ومنذ ذلك الحين والحوار متصل بين اتباع الديانات في دائرة الحضارة العربية الإسلامية ينشط أحياناً ويفتر أحياناً.

 

هذا الأساس العقيدي للحوار هو خير موجه للتفكير فيما ينبغي أن يكون عليه هذا الحوار في بعده الفكري الذي يحدده العقل الإنساني على هدى من الوحي. ونسوق مثلاً التوجه الإسلامي  للحوار الإسلامي المسيحي.

 

برزت فكرة الحوار الإسلامي المسيحي في عالمنا المعاصر مع بداية "عصرنا" إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد تفاعلت في هذا "العصر" ثورة "التقنية" على صعيد العلم "وثورة التحرير" على صعيد السياسة، وما أسرع ما نشبت في دائرة الحضارة الغربية "حرب باردة" بين دول غربية تدين بالرأسمالية و"الليبرالية" ودول أوروبية شرقية تدين بالماركسية، اصطلح على تسميتها "الغرب والشرق". فكان أن اتجه الفكر السياسي في الغرب الرأسمالي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية إلى طرح فكرة مباشرة "حوار إسلامي مسيحي" للبحث في مشكلات عالمية تواجه المسيحيين والمسلمين معاً ودول الغرب ودول العالم الإسلامي التي استقلت، وللوقوف في وجه انتشار "المَدِّ الماركسي الشيوعي" الذي تحاول ماديته "هدم الاعتقاد في القيم الروحية"- على حد تعبير "بايارد دودج" مدير الجامعة الأمريكية في بيروت سابقاً في تقديمه لأعمال "مؤتمر الثقافة الإسلامية في علاقتها بالعالم المعاصر" أوائل الخمسينات الذي انعقد في جامعة برنستون وتضمن في طياته "حواراً إسلامياً مسيحياً".

 

أهداف الحوار مع الآخر من منظور إسلامي

الأهداف العامة للحوار مع الآخر هي الوصول إلى "كلمة سواء" في مواجهة "الطغيان"، وعمل الصالحات، (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنَّا مسلمون) (آل عمران 64).

 

أحد الأهداف التي لها أولوية هدف "التعارف" الذي يتحقق من خلاله معرفة الآخر على حقيقته وتصحيح الصورة الذهنية عنه الحافلة بركام من الأحكام المسبقة وسوء الفهم ويمكن أن نجمع في مقاربة هذا الهدف بين أسلوب غير مباشر من خلال اللقاء على بحث موضوعات تهم طرفي الحوار، وأسلوب مباشر بالحديث عن الأحكام المسبقة وسوء الفهم.

 

هدف آخر هو "التعاون على البر والتقوى" من خلال النظر في أمور حيوية لطرفي الحوار، بروحية استباق الخيرات بين مؤمنين لكل منهما وجهته. "الحق من ربك فلا تكونن من الممترين. ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأتي بكم الله جميعاً. إن الله على كل شيء قدير". (البقرة 148).

 

يجب أن ينأى هذا الحوار، وبخاصة الحوار بين الأديان، عن استهداف التوحيد العقائدي. وهذا يعني ألا ينشغل الحوار بمبدأ الاختلاف ومبدأ حرية الاختيار "لكم دينكم ولي دين". وأمر المحاسبة على الاعتقاد والأعمال على السواء هو لله سبحانه.
(إن الذين أمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد) (الحج 1).

هدف رئيسي لهذا الحوار أن يجهر "بالحق" في المسائل والأمور التي تهم الناس. وأن يُذكّر بالمبادئ والقيم العلا التي يجب الالتزام بها منهم، ومن السلطان، ولكل من بيدهم مقاليد الأمور. وهذا يتطلب من طرفي الحوار استحضار حقيقة أن الدين يوجه السياسة وليس العكس، والدعوة من ثم إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومطالبة "القارونيين" في عالمنا بما طالب به المؤمنين قاروناً، (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا واحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين). القصص 77). كما يتطلب منهم التذكير بأن (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين) (القصص 83).

 

موضوعات الحوار

الموضوعات ذات الاهتمام المشترك بين طرفي الحوار الإسلامي والمسيحي كثيرة. ومن المستحسن تصنيفها:

فمنها ما يتعلق بالموقف العقيدي المبدئي من قضايا بعينها، في مقدمتها قضية مقاومة العنصرية والتمييز العنصري، وقضية العدل الاجتماعي، وقضية الحرية والمسؤولية، وقضية السلام القائم على العدل.

ومنها ما يتعلق بالإنسان وأمه الأرض ومحيطنا الحيوي وبيئته.

ومنها ما يتعلق بالإنسان في مجتمعه وقضية الأسرة والزواج والعفة، وموقع المرأة في الأسرة والمجتمع والتكامل بينها وبين الرجل على أسا من المساواة الكامل في إنسانيتها، وقضية التكافل الاجتماعي بمختلف صوره، وقضية التعددية في المجتمع.

ومنها ما يتعلق بالإنسان والسلطان، والشورى والديمقراطية، والمشاركة السياسية.

ومنها ما يتعلق بأخلاق العمل، وبخاصة في المجالات الجديدة التي فتحتها ثورة التقنية.

ومنا ما يتعلق بقراءة التاريخ المشترك بنظرة "التاريخ الحافز" وليس بنظرة "التاريخ العبء" وإبراز الصورة الإيجابية للتعايش والتعاون. وكذلك ما يتعلق بتشوف المستقبل المشترك.

 

صيغ الحوار والمعنيون به

الحاجة ماسة إلى استحضار الخريطة التفصيلية لكل من طرفي الحوار، بما فيها من مذاهب وطائف وشيع ومؤسسات؛ واستذكار الصيغ التي اعتمدت في المرحلة السابقة، للوصول إلى اطمئنان لصيغ مناسبة، وتحقيق التنسيق اللازم في أوساط كل طرف لإجراء الحوار الإسلامي المسيحي وإنجاحه. ولا بد أن تستكمل هذه الخريطة بخريطة لحوار الأديان في عالمنا. وسيكون من السهل في ضوء ذلك تحديد المعنيين بالحوار.

 

لقد تكررت ممارسات الحوار مع الآخر في دائرة الحضارة الإسلامية خلال العقود الستة الماضية وتبلورت من خلالها أفكار تتصل جميعها بالإجابة عن سؤال "كيف يمكن الوصول إلى فهم موضوعي بين الآخرين والمسلمين؟" وأحد أمثلة ذلك مؤتمر "عن الإسلام وأوروبا" انعقد في 6/1996 الذي أشارت ورقة عمله إلى "تصويب للأخطاء في الفهم المتبادل، واعتماد مبدأ التسامح والاحترام والقبول المشترك بين الجانبين. وتقويم دور وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية في تشكيل الرأي العام مع دراسة مصادر معلومات كل جانب عن الجانب الآخر، والعمل على إبراز الهام للمناهج التعليمية في الوصول إلى إبراز الصورة الحقيقية للجانب لآخر. والبحث في أفضل السبل التي يمكن أن يعتمدها كل جانب لتقدير الإسهامات الحضارية لكل طرفٍ في بناء الحضارة العالمية".

 

أفكار

الفكرة الأولى هي أن البحث في هذا الموضوع لا يبدأ من فراغ ولا ننطلق فيه من نقطة الصفر. فما هذا المؤتمر إلا حلقة في سلسلة مؤتمرات وندوات ولقاءات تناولت الموضوع. وجميعها يقع في إطار ظاهرة "الحوار". حوار بين أديان وعقائد وأقاليم ودول وجماعات.

 

لقد برز من بين هذه "الحوارات" "الحوار الإسلامي المسيحي" الذي أسهمت فيه مؤسسات كثيرة أوروبية وعربية وإسلامية من بينها مؤسسة آل البيت "المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية" في الأردن التي قام رئيسها بعمل حصر للقاءات الحوار ودراسة ما صدر عنها حين باشرت نشاطاً على هذا الصعيد مع "الفاتيكان" والمركز الأرثوذكسي بسويسرا وحوار أديان في بريطانيا. وقد لفت النظر قيام مؤسسة اليونسكو مؤخراً بالاهتمام بالحوار الديني ودعوتها لمؤتمر "الدين من أجل ثقافة سلام" الذي انعقد ببرشلونة عامي 1994 و1995 وأصدر تصريحاً بهذا الشأن.

كما برز "الحوار العربي الأوروبي" بين الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية الذي بدأ على الصعيد الرسمي عام 1975، واختصت إحدى لجانه العاملة بموضوع "الثقافة والعمل والأوضاع الاجتماعية". وقد أولت هذه اللجنة عناية خاصة لبحث كيفية الوصول إلى فهم موضوعي بين الحضارتين الغربية والعربية الإسلامية، ولأوضاع العمال المهاجرين في أوروبا، ولتعارف شباب المنطقتين، وتوصلت إلى أمور محددة بشأنها شرحها كاتب هذه السطور في كتابة "الحوار العربي الأوروبي".

 

مَثَل أخير ثالث للحوار الذي دار في مؤتمر "الإسلام في أوروبا" الذي تناول تحديداً "العلاقة بين الثقافات الأوربية والإسلامية، ووضع المسلمين في أوروبا"، وانعقد باستكهولم في منتصف شهر حزيران ـ يونيو عام 1995. ويكشف التقرير الموجز عن أعماله عن مدى غنى ما تم طرحه فيه، وهو يشير إلى كتاب وافٍ يتضمن أعماله صدر آخر عام 1995. وقد قامت مؤسسة الحوار الدولي بالهيج في هولندا". "I.D.F" بعقد عدة حوارات من هذا النوع تناولت أوضاع المهاجرين المسلمين وموضوع المرأة في الحضارتين، وأصدرت كتباً ونشرات عن الأعمال التي جرت فيها.

 

ما نرمي إليه من عرض هذه الفكرة هو أن نؤكد الدعوة إلى ضرورة الإفادة من نتائج أعمال هذه الحوارات، من خلال القيام بحصر لها، واستخلاص ما توصلت إليه من أفكار، والنظر فيما تم تطبيقه من هذه الأفكار، والبحث في تحديد آلية للتنفيذ، ودراسة إمكانية التنسيق بين المؤسسات العاملة في هذه المجالات، وإيجاد هيئة للتنسيق والمتابعة.

 

الفكرة الثانية هي أن المناخ السائد المحيط ببحث هذا الموضوع يتصف بالتقلب ويغلب ليه تعكر الأجواء بفعل "إعلام الأزمات" الذي يثير المخاوف ويغذي التعصب ولا يقدم المعلومة بأمانة، وبفعل "مناهج تعليمية" واقعة في أسر "التاريخ العبء" متجاهلة "التاريخ الحافز"، وبفعل سياسات قصير النظر إزاء موضوع الهجرة والتعامل مع المهاجرين تنجم عنها تداعيات سلبية. وتأتي أحداث معينة تصيب العالم الإسلامي تصدر بشأنها مواقف أوروبية رسمية تسهم في كثير من الأحيان في مزيد من تعكير الأجواء، والمثل الأوضح على ذلك تلك الأحداث المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني ومن آخرها العدوان الإسرائيلي على لبنان والحصار الإسرائيلي المستمر لمناطق الحكم الذاتي في الضفة والقطاع. وفظائع الإرهاب الصهيوني هناك وجرائمه في جنين ونابلس والخليل وبيت لحم وغزة.

 

لقد نجحت الحوارات التي جرت بين "خاصةٍ" في المنطقتين في التخفيف من تعكر الأجواء، وأسهمت ولو بالقليل في تحسين المناخ في أوساط هذه "الخاصة"، وأشاعت بما ينشر عنها من أخبار أملاً في تصفية الأجواء في أوساط "العامة"، وحققت ـ وهذا أمر بالغ الأهميةـ تعارفاً بين شخوص فاعلة في المنطقتين أوصل إلى الفهم الموضوعي لديهم، وبلورت ـ وهذا أيضا بالغ الأهمية ـ فاعلة في المنطقتين أوصل إلى الفهم الموضوعي لديهم، وبلورت ـ وهذا أيضا بالغ الأهمية ـ فكرة أن تعاون الحضارات عامة والحضارتين الغربية والعربية الإسلامية بخاصة هو عبرة تاريخ طويل وضرورة مستقبل.

 

يبقى إذاً أن تنجح هذه "الخاصة" في أن تكون "طليعة" لتعاون منظم بينها تستهدف تحقيق تعاون أوسع واحترام متبادل والإسهام في صياغة سياسات أفضل. وهذا يقتضي أن يستمر التواصل بين أفرادها والتشاور، وأن يتم التوافق على السبل والصيغ المناسبة لتحقيق ذلك. وهو ما نرمي إليه من عرض هذه الفكرة.

 

الفكرة الثالثة وهي أن النجاح في تحقيق هدف الحوار يقتضي من العاملين له إدراكاً لطبيعة كل من لطرفين من خلال استحضار حقائق تتعلق بهما معاً وبكل منهما منفرداً.

 

الفكرة الرابعة هي أن النجاح في بلوغ أهداف الحوار يقتضي الالتفات إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وإيلاء عناية خاصة لتفهم هذه الأوضاع ومعالجتها.

 

 

وبعد..

فإن الحرب التي نعيشها بأحداثها العسكرية وأحداثها السياسية، وما يقترن بها من استهداف قوى الهيمنة الأمريكية والصهيونية العنصرية للإسلام ديناً وحضارة وللمسلمين عامة بحملة شعواء عنوانها الإرهاب الإسلامي يمثل تحدياً ويوجد مناخاً ثقيلاً يحاصر الحوار، ويسبب ردود أفعال حادة تنادي بالصراع والقطيعة، ولكن جوهر الإسلام ديناً وطبيعة الحضارة الإسلامية تحث على استجابة صحيحة لهذا التحدي بالتمسك بالحوار والدعوة إلى سبيل الله إعلاءً لكلمة الحق بالحكمة والموعظة الحسنة ومواجهة عدوان المعتدين بالمقاومة. وواضح أن هذه المقاومة للعدوان وللعولمة المتوحشة في دائرتنا الحضارية وفي جبهة فلسطين بخاصة، جعلت كثيرين في عالمنا مهيئين للتعارف والفهم، ومن ثم للتعاون على البر والتقوى.

 

إن الإسهام في صنع هذه الاستجابة الصحيحة مسؤولية فردية وجماعية لكل أبناء حضارتنا. وعليهم النهوض. بها في مختلف دوائر انتمائهم تعزيزاً للوحدة الوطنية في الدائرة القطرية الوطنية وتحقيقاً للتعاون في الدائرة الحضارية ونهوضاً بالحوار مع الدوائر الحضارية الأخرى أساساً لتفاعل إيجابي يوصل إلى إقامة نظام عالمي قويم واستتباب سلام قائم على العدل.

 

(0) تعليقات

" النظام الإقليمي بعد الحرب على العراق " أعمال الندوة التي نظمها المجلس المصري للشئون الخا

     تقديم:

    في إطار الندوات والمؤتمرات التي ينظمها المجلس المصري للشئون الخارجية حول قضايا إقليمية ودولية نظم المجلس يوم الثلاثاء الموافق 24 يونيو 2003 ندوة حول موضوع "النظام الإقليمي بعد الحرب علي العراق" وقد تضمنت الندوة جلستي عمل تحدث فيها عددا من الباحثين والخبراء وكان موضوع الجلسة الأولي "الحرب علي العراق في السياق الإقليمي والدولي" وكان رئيس تلك الجلسة الأستاذ الدكتور أحمد عصمت عبد المجيد ورأس الجلسة الثانية التي كان موضوعها "مستقبل النظام الإقليمي بعد الحرب علي العراق" الأستاذ الدكتور علي الدين هلال.

وقد قدم الندوة السيد السفير د. محمد إبراهيم شاكر رئيس المجلس الذي أثار مجموعة من التساؤلات دارت حول:

·   هل اقتنع المجتمع الدولي بفرض هذه الحرب دون الاستناد لأية شرعية؟ وهل يمكن أن يسجل التاريخ معارضتنا لهذه الحرب؟

لقد اقتصر أول لقاء عقده مجلس الأمن بعد الحرب على إلقاء بيانات دون معالجة قضية الحرب. وقد انتهت الأخيرة ولكن الاحتلال ما زال جاثماً على صدر العراق.

·   لقد حاربنا عودة الوجود الأجنبي للعالم العربي، وإن كنا نرى شئ جديد يتطور كل يوم فكيف نواجهه؟ إن السيطرة الأجنبية تعود محاولة فرض سيطرتها، فأين نحن من كل ذلك؟

·       هل نترك العراق الآن ليتشكل بعيداً عن محيطه العربي؟

·   هل يمكن للجامعة العربية القيام بدور جنباً إلى جنب مع الأمم المتحدة؟ لقد أخبرنا السيد عمرو موسى في لقائه معنا الثلاثاء الماضي 17 من يونيو 2003م بأن السيد كوفي عنان سكرتير عام الأمم المتحدة اتصل به للتنسيق معه بخصوص دور الجامعة العربية في العراق، وهو أمر إيجابي ويجب أن نصر عليه.

·       كيف يمكن توثيق الصلات مع التشكيلة السياسية العراقية التي تتبلور في المرحلة الحالية؟

·   نود أن نستمع لتقييم د. عصمت عبد المجيد لدور الجامعة العربية مستقبلاً ، هل هناك بديل للجامعة العربية ، لاسيما في ضوء ما استمعنا إليه من السيد عمرو موسى عن الجامعة العربية وتطويرها؟

·   ما تأثير كل ما يحدث على تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي ، وعلي إيران وتركيا كدولتي جوار للعالم العربي ، فإيران هي الهدف القادم لزعزعة منطقة الشرق الأوسط في ظل التقدم الكبير الذي أحرزته إيران في المرحلة السابقة فيما يتعلق بقدراتها النووية السلمية؟

كما بلور الهدف من هذه الندوة في الخروج بأفكار ورؤية Vision لما ينتظر المنطقة في المستقبل.

الجلسة الأولي

"الحرب علي العراق في السياق الإقليمي والدولي"

 

المتحدث الأول: د. وحيد عبد المجيد

"الشرعية الدولية ومستقبل النظام السياسي في العراق"

  تناول المتحدث فيها عملية بناء النظام السياسي الجديد في العراق، وكانت أهم النقاط التي تناولها:

-   خلال شهر يوليو القادم (2003) ستكون هناك أول خطوة في بناء الكيان السياسي العراقي الجديد وهى إعلان تشكيل المجلس السياسي المؤقت الذي تشكله قوات التحالف. وهذه مرحلة لها ما بعدها في عملية بناء النظام السياسي الجديد في العراق، ويمكن تصور أن تستغرق هذه العملية سنتين/ثلاثة علي الأقل.

-   لابد من تحقيق الارتباط ما بين بناء نظام سياسي في العراق والشريعة الدولية من خلال تحويل القوات الموجودة علي أرض العراق إلي قوات تابعة للأمم المتحدة.

-   تشجيع فكرة السيد عمرو موسى بضرورة إرسال قوات عربية إلي أرض العراق حتى لا يترك الأمر برمته للأطراف الخارجية.

-         هذه التطورات يمكن أن تؤدي خلال عام إلي نقل مسئولية إدارة شئون العراق إلي الأمم المتحدة.

-         كان العراق صندوقا مغلقا أحكم إغلاقه في العشر السنوات الأخيرة.

-         لم يخلو مشهد سقوط النظام في العراق من مفآجات للعرب وللأمريكان والبريطانيين.

-   عاد العراق إلي مجتمع شبه بدائي يحكمه شيوخ القبائل والجوامع، وهؤلاء هم الذين سدوا الفراغ السياسي الذي شهده العراق عقب سقوط النظام البعثى السابق في 9 إبريل الماضي.

-   سوف تنجح الولايات المتحدة الأمريكية في بناء نظام سياسي جديد في العراق ولكن ليس كما كان متوقعا.

-   يعتبر العراق هو الأكثر تنوعا من الناحية الديمقراطية والاجتماعية، فهو يحتوي علي عدد كبير من الإثنيات الدينية والطائفية والعشائرية.

-   تراجعت سلطات التحالف الأمريكي البريطاني عن الخيار الأول بعد الحرب، وهو عقد مؤتمر وطني عام تتشكل من خلاله سلطة انتقالية عراقية لأن التخطيط المتفق عليه لا يعبر عن حالة المجتمع العراقي.

-   الشيعة يمثلون غالبية الشعب العراقي وأكثر القوي تنظيما علي الساحة العراقية، وهم مقسمون بين أربعة اتجاهات منها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية. وشيعة العراق هم من الاثني عشرية التي تقترب كثيرا في مسألة العقائد من أهل السنة.

-   الأساس فيما يجري الآن هو إيجاد نوع من تقسيم السلطة وفق حصص معينة بين الفاعليات المختلفة في المجتمع العراقي. وفي هذا السياق، تكون عملية بناء المجلس السياسي بروفة مصغرة لبناء النظام السياسي العراقي.

-         هناك فئات علمانية أيضا في المجتمع العراقي.

-   ينقسم المجتمع العراقي إلي سنة، عرب، أكراد بالإضافة إلي أقليات أخرى صغيرة (تركمان وأشوريين وغيرهم).

-         الأساس في المجتمع العراقي الآن الانقسامات الاثنية والانتماءات الأولية لتلك المجموعات.

-   بالإضافة إلي مشكلة انتهاء المرحلة الانتقالية وتشكيل الحكومة العراقية المحلية، هناك مجموعة من المشكلات التي تواجه العراق من قبيل:

1. هناك مجتمع محطم تماما، فعمليات السلب والنهب قضت علي جزء كبير جدا من البنية الاقتصادية العراقية مثل التوصيلات الكهربائية والهاتفية. فهناك ضرورة لعملية إعادة بناء البنية الاقتصادية العراقية.

2. عمليات المقاومة. مع الوقت تتنامى عمليات المقاومة العراقية، ومن ثم هناك أهمية لتحويل موضوع العراق إلي الأمم المتحدة. وإن كانت تلك الهجمات لا تعتبر مقاومة ولكنها هجمات تقوم بها مجموعة من فلول النظام السابق والمهربين (الذين برز وجودهم في الـ12 عاما الماضية). فالشعب العراقي يكره نظام صدام حسين بشدة ومن ثم رفضت الفعاليات الشيعية الأساسية في المجتمع العراقي تدعيم هذه المقاومة. فالمقاومة هي مقاومة الشعب العراقي كله وليس هذا المثلث الصغير. فالغالبية العراقية تكره النظام السابق.

-   واستخلص المتحدث أنه إذا تأخرت عملية بناء النظام السياسي العراقي أكثر مما هو مقدر لها، وإذا لم تتبع تلك القوات الأمم المتحدة، فسوف تتشكل مقاومة عراقية.


 

المتحدث الثاني: د. مصطفي علوي

"الانعكاسات الدولية علي العراق"

 

   بدء المتحدث باستدعاء انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في الفترة من 21 23 يونيه 2003. هذا المشهد جاء فيه ممثلون رسميون للدول العربية وعمرو موسى جنبا إلي جنب مع بول بريمر ممثلا للعراق وليس للإدارة المدينة الأمريكية، فهو يجسد حجم ونوعية التغيرات الهائلة التي نتجت عن الحرب الأمريكية علي العراق وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

ويمكن هنا تناول ظواهر تمدد السياسة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية فيما يلي:

1. ميناء بيرل هاربر حيث ضرب الأسطول الأمريكي من جانب اليابان في ميناء بيرل هاربر بجزيرة هاواي الأمريكية في 7 ديسمبر 1941 مما أدي إلي دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية.

2.   محاولة الانقلاب في تشيكوسلوفاكيا سنة 1948 وتشكل حلف الناتو إبريل 1949.

3.   نشوب الحرب الكورية سنة 1950 والتي استمرت 3 سنوات حتى عام 1953.

4.   سقوط حلف وارسو في عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفيتي في 25 ديسمبر 1991.

5.   أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

إذن فالتطور الذي تشهده السياسة الأمريكية الآن ليس كله سبتمبر11 سبتمبر ولكن هناك أسس نظرية للسياسة الأمريكية يمكن الإطلاع عليها خلال العديد من الدوريات التي تناولت هذا الموضوع ولقد تسني لي أن أطلع علي البعض منها. فقد سبق للولايات المتحدة الأمريكية تجاوز مجلس الأمن في البوسنة 1995 وكوسوفا 1999.

وفيما يتعلق بالعراق نجد أنه علي المستوي الدولي حدث انقسام في المجتمع الدولي ما بين فريقين. الفريق الأول وتتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا واستطاعت جذب بعض الدول الأوروبية إليه ويري ضرورة التعامل بالقوة المسلحة من أجل تغيير النظام ي العراق.

الفريق الثاني وتزعمته كل من فرنسا وألمانيا والصين وروسيا الاتحادية ويري نفس الهدف مع اختلاف الوسيلة. وبالنسبة لقرار مجلس الأمن الأخير رقم 1483 نجد أنه تجاوز الشرعية الدولية حينما أقر بمشروعية الاحتلال الانجلو أمريكي للعراق فهو تجاوز الشرعية الدولية.

من المؤكد أن هناك تغير هائل حجما ونوعا في قواعد إدارة العلاقات الدولية وهناك تراجع ملحوظ للقوي التي كانت معارضة للحرب نتيجة المصالح التجارية بالأساس.

أن الحرب الأمريكية البريطانية علي العراق كرست رؤية فريق جورج بوش للعالم ولعملية صناعة السياسة الخارجية الأمريكية.

وتري الأدبيات الأمريكية أن الرؤية الأمريكية تقتضي التدخل في شئون الدول الأخرى والعبرة هنا بما إذا كان التدخل تقدمي أم رجعي وبالتالي فالتدخل يكون مشروع عما حدث في العراق وأفغانستان حيث أدي إلي إسقاط نظم ديكتاتورية وإطلاق الحريات فالمعايير هنا أخلاقية فالتدخل يكون بقصد تغيير الأنظمة وليس الاحتواء وفق نظرية جورج كينان. ويلاحظ أن تعبير محور الشر الذي أطلقه الرئيس الأمريكي جورج بوش علي كل من العراق وإيران وكوريا الشمالية نجد أن هناك توحد للهدف في التعامل مع هذه الدول ولكن هناك اختلاف في وسيلة التعامل كما نري في أسلوب التعامل الأمريكي مع كوريا الشمالية من ضرورة في التعامل مع أزمتها النووية بالطرق السلمية عكس العراق الذي تم التعامل معه بالقوة العسكرية وما يحدث الآن في إيران من دعم القوة المعارضة للنظام الثوري في إيران.

كما تري الأدبيات الأمريكية أن الرؤية الأمريكية الجديدة تقتضي ضرورة العمل علي تسوية الأزمات الإقليمية كما هو حادث مع أزمة الشرق الأوسط ومحاولة تسويتها من خلال طرح "خارطة الطريق".

أما فيما يتعلق بالدور الأوروبي فأن الانقسام الأوروبي تواكب معه عجز أوروبي واضح عن تقديم مشروع قرار لمجلس الأمن مضاد للمشروع الأمريكي البريطاني هو القرار رقم 1441 أما بالنسبة للقوي الأخرى مثل الصين وروسيا نجد أنه بالنسبة للصين فهي منشغلة بمشاكلها الداخلية و"السارس".

أما روسيا فنجد أن هناك مجموعة من التفاهمات فهي متوافقة مع الولايات المتحدة الأمريكية علي أجندة النظام الدولي وفي هذا مجموعة من التفاهمات في شأن أسلحة الدمار الشامل، ومكافحة الإرهاب. وتبحث روسيا الآن الدخول في منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكي بعد موافقة روسيا علي الرغم من معارضتها في البداية علي الانسحاب الأمريكي من معاهدة ABM (Anti-Ballistic Missiles Treaty)  الموقعة سنة 1972.

فالشيعة ينظرون لأنفسهم علي أنهم هم العراق نظرا لما يمثله من أغلبية.

أما الأكراد فهم يمثلون الحلقة الأضعف في الصراع علي العراق وهناك الحزبين الديمقراطي الكردستانى الذي يرأسه مسعود البرازتي والاتحاد الوطني الكردستاني الذي يرأسه جلال طالباتي.

كذلك هناك السنة العرب.

وقد تم التجاوز عن فكرة حكم الأقلية في العراق.

إما فيما يتعلق بالمقاومة فيمكن القول أن الشعب العراقي عاني من الانهاك السياسي والمعيشي، فهو ليس لديه قدرة حقيقة علي مقاومة منظمة خصوصا أنه لا توجد نية لدي الأنظمة العربية في أن يكون لها دور في دعم هذه المقاومة.

أن الشعب العراقي يتسم بالحيوية والمسألة ستتوقف علي مدي قدرة فئات الشعب العراقي علي إلا يفجروا صراعات بين مختلف القوي في العراق، حيث يدرك العراقيون بمختلف فئاتهم وعقائدهم. أن البقاء الأمريكي في العراق مرهون بإمكانية توحدهم ورفضهم محاولات إحداث شقاق بينهم.


 

المتحدث الثالث: السيد السفير دكتور / مصطفي عبد العزيز

"العراق الجديد وعلاقاته الإقليمية"

 

تناول المتحدث هذا الموضوع من خلال ثلاث أجزاء رئيسية:

أولا: الحديث عن الشعب العراقي نفسه فهو فاعل مهم ومفعول به في نفس الوقت

ثانيا: دور قوي الاحتلال

ثالثا: وضع الدول المجاورة للعراق

 

أولا: "الحديث عن الشعب العراقي"

من المؤكد أن جانب كبير مما سيحدث في العراق سيعتمد علي الشعب العراقي نفسه. فالعراق فسيفساء تضم كل أشكال الطيف السياسي والمذهبي. وهناك نقطة أخرى هامة وهي شيعة العراق وعلاقاتهم بشيعة إيران. فالمراقب للأحداث التي جرت في الأرض العراقية منذ عام 1920 وحتى الآن سيري أن الشيعة تعرضوا منذ الثورة العراقية في لك الوقت إلي سياسة فرق تسد التي ابتدعها الإنجليز في المناطق التي احتلوها، وفي هذا الاطار استهدفت هذه الحملة وبشكل دائم فصل الشيعة عن العالم العربي، وإلصاق طابع خاص بهم يرتبط بكونهم جزء من القومية الفارسية، ورغم أن ذلك ليس صحيح لعدة أسباب:

1.   أن القومية الفارسية بها سنة وبها أيضا مسيحيون.

2.   أن معظم شيعة العراق ينحدرون من أصول عربية وإسلامية شتي، شأنهم في ذلك شأن سنة العراق.

3. جاء حكم حزب البعث ليربط الشيعة جمعيا بالهوية الفارسية وحتى الشيعة من الأكراد كان ينظر إليهم علي أنهم إيرانيون.

4. هناك فصل بين المرجعية الشيعية العراقية والمرجعية الشيعية الإيرانية، كما تظل الأوضاع الخاصة بشيعة العراق مختلفة تماما هما يجري في إيران.

5.   أن تجربة ولاية الفقيه في إيران غير مرغوبة بالنسبة لشيعة العراق بعد أن أظهرت الممارسة سلبياتها.

6.   إن الصيغة الفيدرالية تلقي قبول لدي شيعة العراق وإن كانت ستؤدي إلي تجزئة العراق.

 

ثانيا: "دور قوي الاحتلال"

يتأثر تشكيل العراق سياسيا بقوي الاحتلال. فالهدف من الاحتلال كما هو معلن "العقوبة والتأديب" بمعني استعادة الولايات المتحدة الأمريكية للهيمنة لقوي أعظم سياسيا واقتصاديا وهنا يمكن الإشارة إلي المنفعة المتحققة من شن الولايات المتحدة لحربها علي العراق للسيطرة علي النفط العراقي بصورة مباشرة أو غير مباشرة. أما صدور قرار مجلس الأمن رقم 1483 فقد جعل العراق تحت وصاية مستحدثة.

 

ثالثا: "علاقات العراق الإقليمية"

أي دور تستطيع أن تلعبه القوي الإقليمية في تشكيل عراق ما بعد الحرب ؟ وتحديدا إيران وتركيا. لقد حذرت أمريكا أي طرف من التدخل في شئون العراق وأن كانت قد تسمح بالدعم المالي لدول الجوار أما بالنسبة للموقف العربي فهناك غياب واضح لاستراتيجية عربية علي مستوي العالم العربي ولم يصدر من الجامعة العربية قرار علي قدر الموقف في العراق.

إن المنطقة ستكون رهينة بالتغيرات الأمريكية، فعلاقات العراق الإقليمية الجديدة ستتشكل بمنظور أمريكي من الدرجة الأولي.

أما فيما يتعلق بدول الخليج فهناك قلق من الدور الأمريكي في أمن الخليج، فالنسبة للسعودية فهي تخشى في حدوث فوضي واضطراب في المناطق العراقية المجاورة.

أما بالنسبة للعراق والكويت فنجد أن الكويت تقع وسط العراق والسعودية وإيران ونتيجة ما حدث في عام 1990 نجد أنها كانت مضطرة للبحث عن حماية، من ثم لجأت إلي توقيع اتفاقية أمنية ومع الولايات المتحدة الأمريكية، وفيما يتعلق بالحرب الأخيرة علي العراق فهي تسمي قوات التحالف بقوات تحرير العراق وليست قوات احتلال.

وبالنسبة للعراق وسوريا هناك مخاوف لدي القيادة السورية الحالية وأن كانت السياسة السورية تتسم بكونها سياسة برجماتية واقعية وأن كان متأخرا فالنظام السوري في مأزق بكل المقاييس. ومن ثم علي سوريا التفكير في إعادة الانتشار السوري في لبنان وتحسين العلاقة بين أنقرة ودمشق ولا ننسي التأييد السوري للقرار 1441 في مجلس الأمن، مما سبق لا أعتقد أن الدور السوري في أحداث تغير في العراق سيكون أساسي.

أما العلاقات بين العراق والأردن نجد أن أحد الخيارات المطروحة بالنسبة لحكم العراق عودة الملكية.

بالنسبة لتركيا والعراق نجد أن تركيا تتطلع إلي عراق مستقل لأنها تخشى من قيام دولة كردية مستقلة في شمال العراق.

بالنسبة لإيران والعراق نجد أن إيران حافظت علي موقف قريب من الحياد النسبي سواء فيما يتعلق بالحرب علي أفغانستان في 7 أكتوبر 2001 أو الحرب علي العراق في 20 مارس 2003. ولذلك من أجل عدم استثارة الولايات المتحدة الأمريكية.

وتحاول واشنطن استغلال الصراع ما بين الإصلاحيين والمحافظين حيث أنه للمرة الأولي يرفض الشعب الإيراني كلا التيارين وهو ما نال تأييد واشنطن.

في النهاية يمكن القول: بأننا نعيش في مرحلة تتسم بعدم الوضوح وعدم القدرة علي توقع ما سيحدث في المرحلة القادمة لكن هناك ضرورة لإعادة العراق لحضانته العربية وأن كان سيكون عراقا مواليا لأمريكا وقليل الاهتمام بالقضايا العربية.

ومما سبق يمكن القول أنه ليس لواشنطن رسالة خيرية في العراق فالمصالح هي الأساس.   


 

الجلسة الثانية

" مستقبل النظام الإقليمي بعد الحرب على العراق "

 

المتحدث الأول : د. حسن نافعة

"تأثير حرب العراق على النظام العربي ومؤسساته"

 

تناول المتحدث الموضوع من خلال ثلاث نقاط رئيسية هي:

1. هل الأزمة التي انتهت بالحرب على العراق تدخل ضمن نمط الأزمات التقليدية التي واجهت العالم العربي على مدي الـ50 عاماً الماضية؟

2.   هل هذه الأزمة كاشفة لمواضع الخلل في العالم العربي؟

3.   هل النظام العربي قادر على احتواء آثار هذه الأزمة؟

بالنسبة للتساؤل الأول: هل هي أزمة تقليدية أم أزمة مختلفة نوعياً؟ يمكن القول أن هذه الأزمة أزمة مركبة متعددة الأبعاد. وربما هي الأزمة الأولي التي تضرب النظام العربي في الصميم. فهذه الأزمة تجسد تطابق غير مسبوق بين المشروع الأمريكي للهيمنة على العالم والمشروع الإسرائيلي للهيمنة على المنطقة.

إن تدمير واحتلال العراق ليس مستهدف في حد ذاته، بل هي بداية لإعادة تشكيل خريطة المنطقـة.

فهذه الأزمة هي أزمة تواجه النظام العربي بكل أطرافه ومكوناته.

بالنسبة للتساؤل الثاني: هل هي أزمة كاشفة أم منشئة؟ يمكن القول أنها أزمة كاشفة ومنشئة في الوقت ذاته. فهي أزمة كاشفة عن مواضع الخلل القديمة بالإضافة إلى عجز النظام العربي عن احتواء هذه الأزمة.

بالنسبة للتساؤل الثالث: هل النظام العربي قادر على احتواء هذه الأزمة؟ يمكن التأكيد على أن النظام التقليدي العربي غير قادر على احتواء هذه الأزمة.

وهناك مجموعة من التساؤلات العامة ذات الصلة التي يمكن الإشارة إليها فيما يلي:

1. تزايد دور العوامل الخارجية في تحديد نمط العلاقات العربية ـ العربية بشكل غير مسبوق. فما حدث في العراق يؤكد أن قدرة أي طرف أو أطراف عربية على اتخاذ مبادرة تبدو معدومة.

2.   تراجع دور دول القلب في النظام العربي لصالح دول الهامش.

3. تراجع دور الفاعلين الرسميين لصالح القوي غير الرسمية أو المحجوبة عن الشرعية "التيار الأصولي الإسلامي".

4. بروز البعد الطائفي والديني كبعد محدد، فهناك خطوط انقسام جديدة اثنيه وطائفية تحدد الفرز أو النتائج المحتملة لحدث أو لمجموعة أحداث.

5.   أصبحت التناقضات الرئيسية في البلاد العربية أكثر حدة.

إن التساؤل حول هل الأزمة العراقية تشكل انطلاقة جديدة لنظام عربي جديد؟ سوف يتوقف إجابة هذا التساؤل على أمرين:

الأمر الأول: قدرة النظام العربي على استخلاص الدروس.

الأمر الثاني: قدرة النظام العربي على إيجاد حلول لأزمة القيادة في النظام العربي. ويرتبط بهذه النقطة معضلة المؤسسات في العالم العربي.

واستخلص المتحدث أنه لابد أن يتكون النظام العربي القادم  أو العمل العربي المشترك من ثلاث مكونات / مستويات:

1.   آليات للوقاية من الأزمات.

2.   آليات سياسية واقتصادية وعسكرية لمعالجة الأزمات.

3.   آليات لبناء السلم بعد انتهاء الصراع.

وعلى أساس هذا سوف تتوقف قدرة النظام العربي على التعامل بفاعلية مع موضوع القيادة في العالم العربي، وعلى تقديم حلول واقعية لمعضلة بناء المؤسسات في العالم العربي.

وهنا لابد من الحديث عن موضوع الأوزان النسبية للدول العربية في صنع القرار العربي من الناحية التقنية والفنية .

ومن المطلوب وجود نظام سياسي عربي يفصل بين السلطات، فالمطلوب هنا إقامة نظام سياسي إقليمي عربي يفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويقيم دور كبير للمجتمع المدني.

وهنا لابد أن تكون البداية بناء المؤسسات الوطنية الديمقراطية.

 

 


 

المتحدث الثاني : أ. محمد سيد أحمد

" مستقبل التسوية السياسية للصراع العربي ـ الإسرائيلي بعد الحرب "

 

اعتبر المتحدث أنه وفقا لخريطة الطريق، فالمفروض نكون طبقنا المرحلة الأولي في آخر شهر مايو 2003. وهناك 14 تحفظ إسرائيلي فيما يتعلق بخريطة الطريق لو نُفذت لفرغت الخريطة من مضمونها. وهنا فأنا أزعم أنه ليس هناك عملية السلام " النهارده " بل إعلان دولة فلسطينية بحلول عام 2005 بدون أدوات دولة، فتركيبة العملية السلمية القائمة الآن قائمة على عدم تحقيق هذا الهدف.

كذلك في قمة شرم الشيخ، هناك قضية البعد العنصري في الاعتراف بدولة يهودية.

إن القضية هي قضية علاقات قوى، فما هو مطروح اليوم هو ترجمة لموازين القوي حتى بالدبلوماسية الهادئة.

لا يمكن الاعتماد على الوضع الدولي لينتهي الأمر بهذه الطريقة. فكل المطروح اليوم في إطار حدود 28 من سبتمبر 2000 وليس حدود 4 يونيو 1967.

وهنا يأتي التساؤل، كيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟ فالجانب العربي للأسف غائب عن هذا التحدي.

إن المطروح ليس دولة فلسطينية ولكنه شعار دولة فلسطينية غير مكتملة لا تلمس ما قاله كلينتون في كامب ديفيد.


 

تعقيب: الأستاذ الدكتور فوزي حماد

 

في نهاية الجلسة عقب الأستاذ الدكتور فوزي حماد وركز علي قضية أسلحة الدمار الشامل فذكر أن أي كلام عن الشرق الأوسط لابد أن يمس أسلحة الدمار الشامل . لقد كان الحديث في البداية عن أسلحة الدمار الشامل العراقية ثم انتقلنا لإيران والحديث الآن عن برنامجها لتطوير أسلحة نووية .

الملاحظ أنه في أي نظام إقليمي ، أننا لا نتعامل مع لب المشكلة المطروحة.

بالنسبة للعراق ، استطاعت العراق أن تكتسب تكنولوجيا لإثراء اليورانيوم خلال الحرب العراقية الإيرانية ( 1980 ـ 1988 ) . وأول شيء ضُرب في عاصفة الصحراء في عام 1991 كان المنشآت على الأرض.

بالنسبة لإيران ، هي حريصة جداً على الشفافية في برنامجها. وهناك منشأة إثراء لليورانيوم في وسط إيران وبلغوا الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبتمبر 2002، وزارها الدكتور محمد البرادعى مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA في فبراير 2003.

هناك اتفاق بين إيران وروسيا والصين على مسألة التعاون في المجال النووي السلمي، إلا أن الفكر الغربي يقوم على أساس أنه طالما توافرت التكنولوجيا للمجال النووي فيمكن عمل تكنولوجيا سرية لإثراء اليورانيوم.

وبالنسبة لإيران، فإن تبريرها قوي وهو احتياجها إلى 7 محطات نووية.

وتعمل إيران في إطار الردع بالتكنولوجيا النووية السرية.

وبالنسبة للدعوة لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية، لا يمكن بالدبلوماسية وحدها أن تنشئ منطقة خالية من الأسلحة النووية.

لقد سقطت كل المزاعم الخاصة بامتلاك العراق للأسلحة الدمار الشامل.


 

وفي التعقيبات في نهاية الندوة تحدث كلا من:

 

        السيد / ممدوح حمزة

        السيد السفير / رخا أحمد حسن

السيد السفير / عادل العدوى

الأستاذة الدكتورة / نهال فهمي

السيد السفير / على حجازي

السيد السفير / أحمد عبد الحليم ، سفير السودان لدى القاهرة

 

كما اختتمها الأستاذ الدكتور علي الدين هلال بالملاحظات التالية:

 

1) إنني من المؤمنين بأن العلاقات بين الدول كانت وتكون وستكون علاقات قوي ومصالح. فلا توجد سياسة خارجية تقوم على مبادئ وأخلاق، ولكن على أساس المصالح سواء وصفت هذه السياسة بأنها أخلاقية أو غير أخلاقية.

وفى الفقه الإسلامي، هناك دار الحرب ودار السلام. وقد تطور الفكر الإسلامي بحتمية الصراع ثم عندما بدأت الإمبراطورية الإسلامية تشيخ بدأ الحديث عن هدنة ـ سلام.

في عهد عبد الناصر، السادات، مبارك، فإن الحاكم أو الدولة يسعى لتحقيق مصالح دولته كما تعتقد فيها الصفوة الحاكمة بما فيها أمريكا. ما هي مصالح بلدك وعلاقات قوة بلدك؟

       2) لابد من أن نتوقف عن رمي اللوم على الآخرين، وأنه قد أن الأوان لننظر إلى أوضاعنا السياسية، الاقتصادية والثقافية. فإن يكون لك دوراً مؤثراً هو نتيجة مجمل عناصر القوة القومية للدولة. لابد أن نعترف بأنه منذ أن شهد العالم رياح الديمقراطية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في 25 ديسمبر 1991، فإن منطقتنا أقل مناطق العالم تأثراً بنجاح الديمقراطية نتيجة ثقافة هذه المجتمعات والنمط الأبوي والأسري لهذه المجتمعات. كما أن قوي التغيير في هذه المنطقة من العالم ظلت مذبذبة والقوي التي تقاوم التغيير أكبر.

        ندعو للتغيير من الداخل مع التحفظ على التغيير من الخارج لأن الخارج له مصالح وسوف يعمل التغيير بالطريق التي تلائمه هو وتحقق مصالحه. فنحن ندعو إلى التغيير بناء على برنامج وطني للتطوير ـ للتحديث ـ للتغيير لمزيد من الإصلاح السياسي ـ الاقتصادي.

    3) بالنسبة للسياسة الأمريكية، لابد من فهم ماذا حدث في التفكير السياسي الأمريكي. فموضوع العراق كان نتيجة لأحداث 11 سبتمبر 2001. المشكلة أن أغلبية من أدينوا في عمليات 11 سبتمبر لم يكونوا من سوريا أو ليبيا أو إيران أو من الدول التي اعتبرتها الولايات المتحدة دولاً مارقة أو معادية، ولكن من الدول التي تصورت الولايات المتحدى أنها دول صديقة. ومن ثم بدأ نوع جديد من التفكير: ما الذي تدرسوه في كتبكم؟ ما الذي يُنشر في الكاريكاتير عندكم، فهذا هو معيار التعبير عن الصداقة.

       وفى هذا الإطار، فإن مشروع كولين باول بيطبق فعلاً ومشروع الرئيس بوش للمشاركة الاقتصادية (بالدعوة إلى إقامة منطقة تجارة حرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والشرق الأوسط في خلال عشر سنوات) يأتي في نفس الإطار وإن كان غير ملزم لنا، لكن علينا أن نفهم كيف تفكر الدول الكبرى. 

   4) بالنسبة للدور المصري. مصر لا يمكن تهميشها، فلننظر إلى تصويت مصر في الأمم المتحدة هل نجد دولة أخري يتم التعامل معها في المنظمة الدولية مثل التعامل مع مصر؟

      مصر تدفع ثمن مواقفها، ثمن أنك لم تسمح لطائرة أن تخرج من أرضك.

  5) يأتي التساؤل ماذا أستطيع أن أفعل؟ كمصر نحن نعرف ماذا نفعل، ولكنني لا أستطيع إلزام الدول العربية الأخرى باتخاذ مواقف معينة.

برنامج ندوة

النظام الإقليمي بعد الحرب علي العراق

24 يونيو 2003  

 تقديم الندوة: د. محمد إبراهيم شاكر

  

الجلسة الأولي:           10    12 ص

            الحرب علي العراق في السياق الإقليمي والدولي:     أ.د. عصمت عبد المجيد

 1.الشرعية الدولية ومستقبل النظام السياسي في العراق.   د. وحيد عبد المجيد

2.العراق الجديد وعلاقاته الإقليمية.                       د. مصطفي عبد العزيز

3.الانعكاسات الدولية علي العراق.                       د. مصطفي علوي

 استراحة:    12 12:30  م

 

الجلسة الثانية:          12:30   2:30 م        

               مستقبل النظام الإقليمي بعد الحرب علي العراق:        أ.د. علي الدين هلال

      

1.   تأثير حرب العراق علي النظام العربي ومؤسساته.                    د. حسن نافعة

2.   مستقبل التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي بعد الحرب.  أ. محمد سيد أحمد

عقيب (10 دقائق) أسلحة الدمار الشامل                                د. فوزي حماد   

 

 

 

 

(0) تعليقات

معا لنصرة الحبيب محمد

 


    اعجبتني هذه المقالة للاستاذ
عبد المنعم سعيد
جرية الشرق الاوسط 
الاربعـاء 14 صفـر 1427 هـ 15 مارس 2006 العدد 9969
قضية الحوار مع الدنمارك والآخر: عمرو وثمن الغضب
تابعت مثل غيري ما حدث في كوبنهاغن من رسم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لي رأي عبرت عنه في حينه مستنكرا ما جرى، وداعيا لكي يكون الحدث مناسبة لنصرة رسول الله اعتمادا على العقل وبناء الجسور ونشر الكلمة والموعظة الحسنة، في عالم يقوم على صراع الأفكار، وتوافق القيم، ومنافسة القدرات، بقدر ما يقوم على الصراع والصدام. ولكن ما أراه ليس مهما كثيرا، ولكن ما له صلة بالقضية هو ذلك النقاش والحوار واللوم والعتاب الذي تم بين الأستاذ عمرو خالد وجماعته والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ومن والاه، حول زيارة الأول إلى الدنمارك وعقده مؤتمرا يشرح فيه للدنماركيين من هو نبينا الكريم؛ والموقف الذي اتخذه الثاني من أن ذلك يفرق بين المسلمين ويضعف غضبهم الذي وحدهم وجعلهم يقفون وقفة رجل واحد أمام الإسفاف الدنماركي الغربي.

في الحقيقة، كان الخلاف بين الطرفين كاشفا عنا بقدر ما كان كاشفا عن الخلاف الأصلي حول الرسوم الدنماركية، وما يهمني هنا هو كشف ما انكشف عنا لعل فيه صلاحا وعبرة. فقد كان مثيرا للغاية ذلك السؤال الاستنكاري الذي طرحه شيخنا القرضاوي عمن يمثل الأستاذ عمرو خالد وكيف أنه لا يعبر عن جماعة العلماء ولا عن جماعة المسلمين. الكشف هنا هو عن موضوع «التمثيل» فكلما ذهب عربي أو مسلم إلى بلاد الغرب، أو بلاد العالم الأخرى في غير دار الإسلام، معبرا عن رأي في ندوة أو مؤتمر، ساعيا إلى حوار أو إلى تفاهم أو شرح لموقف أو فكر أو سلوك لدينا، يقفز فورا جمع معارض طارحا ذلك السؤال عمن يمثل، ومن الذي فوضه للقيام بالمهمة وكأنه لا يستطيع فرد أو جماعة قول ما يقولون إلا إذا جرت انتخابات عامة، أو بيعة ثقة، في كل البلاد الإسلامية من إندونيسيا إلى المغرب تعطيه الحق في القيام بالمهمة.

مثل هذا الحق لا يوجد مثيل له بين الأمم والشعوب الأخرى. وفي الدولة الإسلامية الأولى خرج الرعاة والتجار والرحالة من كل نوع ومن كل طائفة ينشرون الفكر مع كلمة الله لشعوب وقبائل وجماعات كان منهم من آمن ومنهم من بقي على إيمانه الآخر؛ وساعتها لم يطلب منهم أحد وثائق للتمثيل كتلك التي يقدمها السفراء المعتمدون قبل قيامهم بالمهام الدبلوماسية. ولا كان ذلك موجودا لدى الشعوب المستقبلة للرسل والجماعات التي تحمل الرسالة، وكان مفهوما دوما أن هؤلاء لا يمثلون أحدا إلا أنفسهم حسب ما يتمتعون به من صدق وسلامة مقصد وإخلاص للحق والحقيقة. ومن المؤكد ـ كما سبق في التاريخ أنه عند وصول الأستاذ عمرو خالد إلى كوبنهاغن مع من شاركه فكره من العلماء ـ أنه لن يوجد في العاصمة الدنماركية وفي دول الجماعة الأوروبية أو الغرب كله من سوف يعتقد أن الرجل ومن معه يمثلون الأمة الإسلامية كلها بما فيها من اختلافات وتنوعات؛ وأنهم يتصرفون مثل جماعات غربية كثيرة من المبشرين بالأفكار، والواصلين غير المفرقين بين الناس.

الكشف الثاني جاء من تقدير قيمة «الغضب» الذي ميعه وبعثره وأطفأ حماسته وفرقه أشتاتا زيارة قام بها شاب داعية ومعه طائفة من الدعاة تداعوا لإطفاء حريق قبل أن يمتد من حرق السفارات الدنماركية إلى حرق السفارات العربية والإسلامية، ومقاطعة البضائع الدنماركية والغربية إلى مقاطعة القليل من البضائع العربية والإمدادات للدول العربية والإسلامية من أول الدواء حتى طائرات نقل الحجاج. هذا الغضب يعكس الفارق الهائل وغير المعروف لدى جماعة منا بين «تسجيل المواقف» و«السياسة» و«الرسالة»؛ ويكاد تسجيل المواقف يتخطاها جميعا في كل الاختبارات التي تأتي إلينا من أول القضية الفلسطينية وحتى الرسوم الدنماركية. فالقضية لا تصير كيف تكسب المعركة، ولا كيف تحرر أرضا، ولا كيف تزيد من حلفائك، ولا كيف تحسن وضعك، وإنما المسألة هي كيف تسجل المواقف زاعقا حانقا بغضب يمتد تدريجيا من المظاهرات السلمية حتى يصل إلى الحرق والعنف مهما كانت احتجاجات وتحفظات الدكتور يوسف القرضاوى. هذا يختلف تماما عن «السياسة» التي تسعى لتغيير المواقف المسيئة لدى الأطراف الأخرى، ليس من خلال صراع الحضارات، أو التجهيز للعمليات الانتحارية/ الاستشهادية بالحديث عن افتداء رسول الله ـ صلعم ـ بالروح، وإنما افتداء النبي العظيم بالعقل حيث يستخدم القانون والحوار والدبلوماسية والضغوط الآخذة توازنات القوى في الاعتبار لوضع الحادثة في مكانها الصحيح حين تعبر عن حالة فردية نابعة من جماعة مأفونة. وهذا ـ أخيرا ـ يختلف تماما عن الرسالة، ولو فكرنا ماذا كان سيفعل رسول الله من تبشير وبشارة لو وقعت له حادثة مثل هذه من واحد في الدنمارك يعلم أنه مثل غيره من أهل الأرض من موضوعات الهداية والدعوة ووضع الاختيار والاختبار بين البشر والسفهاء؟. وكان ذلك ما فعله تحديدا عمرو خالد وجماعته، معبرا عن نفسه، وعن اعتقاده وفهمه الصحيح للملة التي لا تفوض أحدا للحديث باسمها وإنما أعطت الجميع الحق في الاجتهاد فكرا وممارسة. ولكن فكرة «الغضب» تذهب لأبعد بكثير من مجرد تسجيل المواقف في الحادثة الدنماركية، كما أنها أعمق بكثير من حتى الذين عبروا عنها بمناسبة زيارة داعية شاب لبلد فسد فيه سفيه، وإنما تبدو سلوكا سياسيا مفضلا لدى جماعات كثيرة إسلامية وقومية وراديكالية في العموم. ويرى عدد غير قليل من المفكرين العرب والمسلمين أن الغضب والتعبير عنه هو واحد من الفضائل المعبرة عن صحة الأمة وعافيتها بل وإعادة الاعتبار للنخوة فيها. ويعد ذلك حالة عربية خالصة. فسواء كان الأمر يخص علم النفس العام أو علم النفس السياسي، فإن الغضب ليس حالة صحية على إطلاقها، كما أنه يشوش السلوك في السياسة والممارسة الاجتماعية، وكثيرا ما تستبعد المسؤولية عن الطلاق أو القتل إذا ما اختلط الغضب بنوع من غياب العقل. ولكن دون الوصول إلى هذه الدرجة فإن هناك جزما بأن الغضب لا يساعد على الحكم السليم، ولا تزيد قيمته عن التنفيس لفترة زمنية بعدها يعود الإنسان منهكا إلى النقطة الأولى التي كان عندها من دون أن يتحرك خطوة واحدة في القضية التي غضب بشأنها.

وفي بعض الأحيان، فإنه يصل إلى نقطة أسوأ، وفي بداية القصة الدنماركية كان لدينا حدث فاسد واحد في دولة صغيرة، ولكن بعد شهور من الواقعة وبتأثير من الغضب وتسجيل المواقف كان الحدث الفاسد يغرق الدنيا كلها شرقا وغربا، وبدلا من تحسين صورة الإسلام إذا بها تنتهي إلى صورة أسوأ كما كشفت عن ذلك استطلاعات للرأي جرت أخيرا في الولايات المتحدة، كشفت عن أن 46% من الأمريكيين لديهم صورة سلبية عن الإسلام ـ وهي نسبة أعلى بسبع نقاط عما كان عليه الوضع في أعقاب الهجوم الإرهابي على مركز التجارة العالمية، بينما 43% لديهم صور إيجابية عنه. وارتفعت نسبة من يعتقدون أن الإسلام دين يحرض على العنف من 14% عام 2002 إلى 33% الآن، فهل يكون الغضب نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أم خذلانا له؟

(1) تعليقات

حقوق الإنسان في الوطن العربي

بقلم الأستاذ نعمان عبد الغني
ليسانس في العلوم الاقتصادية بكلية العلوم الاقتصادية بجامعة عنابة الجزائر
استاذ مؤقت بكلية العلوم الاقتصادية جامعة قالمة
استاذ بجامعة التكوين المتواصل جامعة قالمة
namanea@yahoo.fr
 
 
تتكاثر الضغوط الخارجية على الدول العربية والإسلامية يوما بعد يوم تطالبها بإجراء إصلاحات ديمقراطية تنطوي على تعميم الانتخابات الحرة وتعزيز دور المجالس النيابية
وزيادة مشاركة النساء في الحياة السياسية والمدنية وتأمين حرية الصحافة ووسائل الاعلام وحرية العمل لمؤسسات المجتمع المدني ومكافحة الفساد، وتدعوها الى بناء مجتمع معرفي عن طريق اصلاح التعليم ونشر تكنولوجيا المعلومات وتحقيق التنمية الاقتصادية بما يضمن تخفيض سيطرة الدولة على الشؤون الاقتصادية، وتشجيع الانضمام الى منظمة التجارة الدولية، وتأتي هذه الضغوط تارة من الولايات المتحدة التي نشرت نص مشروعها للشرق الأوسط الكبير وستعرضه على قمة الدول الصناعية الثاني التي ستعقد في ولاية فرجينيا في حزيران المقبل، وتارة تأتي من دول الاتحاد الأوروبي التي تقدمت بعدة مبادرات للاصلاح في` الشرق الأوسط ستتم دراستها في قمة حلف الأطلسي التي ستعقد هذا الصيف في اسطنبول، ولا تختلف المقاربات الأوروبية كثيرا عن المشروع الأميركي ويتضح ذلك من تأكيدات الاتحاد الأوروبي للبنان بضرورة تطوير الديمقراطية والقانون واحترام حقوق الانسان والحريات الأساسية واجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية في ظل احترام القوانين الدستورية تمهيدا لعقد الشراكة اللبنانية - الأوروبية.

**إن المشكلة الأساسية في أي مجتمع يرنو إلى التقدم والعدالة هي في أن يسود القانون العادل المنبثق عن إرادة الشعب الحرة على جميع المواطنين وهذه هي أولى الخطوات التي ينبغي معالجتها ففي معظم العالم العربي لا يجري انتخاب حر نزيه لممثلي الشعب في المجالس النيابية ومعظم أعضاء هذه المجالس إما معينين من السلطة الحاكمة أو حصلوا على الأصوات بطريق التزوير وبالتالي فإن مجالس الشعب أو مجالس النواب ما شئت أن تسميها لا تمثل إرادة الشعوب وبالتالي فإن القوانين التي تصدرها هذه المجالس هي قوانين لا تعبر عن إرادة الأمة، وهي قوانين باطلة من جهة أخرى ولو سلمنا جدلا بشرعية المجالس النيابية فهي لا تستطيع عمل شيء بمواجهة السلطة الحاكمة إما لإحساس أعضائها بالضعف نتيجة عدم صحة الانتخابات، وإما لطغيان السلطة في الأنظمة الاستبدادية الشمولية وعدم وجود أية حماية تحمي الانسان من عسف وجور النظام فحقوق الانسان موغلة في القدم كانت تصونها العشيرة والقبيلة والأسرة ولم تبدأ لتأخذ الشكل المنظم إلا مع التطور الحضاري. ولعل أول هيئة نظمت لحماية حقوق الانسان إنما تمثلت في حلف الفضول الذي تم في دار عبد الله بن جدعان حيث اجتمع فضلاء قريش وتعاهدوا أن لا يدعوا من أهل مكة ومن يدخلها مظلوماً إلا كانوا معه على ظالمه وسمي هذا الحلف "بحلف الفضول". ونستطيع أن نعتبر هذا الحلف إنما هو أول منظمة أو جمعية لحقوق الإنسان في العالم ولقد قال محمد (صلى الله عليه وسلم) لو دُعيت لمثله في الإسلام لأجبت، وهو ما يوضح مدى تمسك الإسلام بمسألة حقوق الإنسان. ثم تداعت الدول للمناداة بحقوق الإنسان فكانت الماغنا كارتا البريطانية ثم كانت الوثيقة الفرنسية وتطورت حقوق الإنسان حديثاً عقب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فنشأت العديد من المنظمات على رأسها منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان وغيرها الكثير.

في حياتنا اليومية نسمع كثير من الاخبار من هنا وهناك من كل بلدان العرب ومن المشرق الي المغرب .

هذه الاخبار جعلتنا ننظر في حال العرب حزنت جدا لما اسمع واشاهد تحت مسمع ومري الحكومات العربية فلا يخفي على احد ما يحدث في فلسطين والعراق المحتل والسعودية واليمن والحصار الاميركي الصهيوني على ليبيا واحداث المغرب فلا شي يدعو الي الفرح على حالنا المخزي فالحكومات والدول تنظر الي بعضها البعض وتطالب غيرها بالتغرير من نفسها . ففي اي اجمتاع لجامعة الدول العربية نري الدول العربية تتحدث عن الحريات لشعبها والحكومات هي السبب الاول لدخول الاميركان والصهاينة الي بلداننا العربية والشعوب هي التي تدفع الثمن في النهاية .

في ظل هذه الظروف يبقي لنا كشعوب سؤال واحد يفرض نفسه على العقول الي اين ايها العرب الي اين ياخذنا نصيرنا مع هذه الحكومات .
    ماذا ينتظرنا بعد احتلال العراق ؟
    ماذا ينتظرنا بعد الهجوم الاميركي على سوريا ؟
    ماذا ينتظرنا بعد التدخول الاميركي في السودان ؟
    ماذا ينتظرنا بعد الحصار الاقتصادي على ليبيا ؟
    ماذا ينتظرنا بعد الفرح الكويتي لاحتلال العراق ودمار الشعب المسكين ؟
    ماذا ينتظرنا بعد احداث القتل والدمار اليومي في فلسطين العربية دون ان يتحرك احد ؟
    ماذا ينتظرنا بعد ان تدخلت اميركا حتي في اختيار قادتنا ؟
    ماذا ينتظرنا بعد الهجوم على كل من يحول ان يرفع رأسه ويطالب بالحرية واتهامه بالارهاب مثل ما يحدث مع حزب الله والفصائل الفلسطينية المقاومة ؟
    ماذا ينتظرنا بعد ان منعت الحكومة في تونس الخضراء حجاب الاناث ؟
    ماذا ينتظرنا ايها العرب ماذا ينتظرنا ؟
    الي اين يقودنا الصهاينة .. الي اين ؟
    هل من سبيل للتغير من المصير المحتوم ؟
    اين السبيل ؟
يبدو ان هناك من يتعمد الخلط بين الحاجة الماسة الى الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية وبين المشروع الاميركي لـ "الشرق الاوسط الكبير" والاملاءات والرغبات الاميركية لنشر "ديموقراطية" خاصة في المنطقة.

واحسب ان هذا الخلط يقصد به التأثير السلبي على الجهود الحثيثة والحقيقية للاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي المنشود والذي يشكل مطلبا شعبيا واسعا، حتى لا يتحقق ذلك، وحتى تبقى شعوب المنطقة ترزح تحت الاحكام العرفية وقوانين الطوارىء. وانظمة الحكم، غير الدستورية او البرلمانية.

واذا كانت بعض الدول العربية تجرأت على رفض الاملاءات الاميركية في مجال الديموقراطية والاصلاح، فإن هذا لا يعني ان تلك الدول وغيرها ليست في حاجة الى تحقيق اصلاحات، بل انها تؤكد انها ستنفذ الاصلاحات التي يطلبها الناس، ووفقا للمصلحة الوطنية لكل دولة، وليس انصياعا للرغبات الاميركية، ولا قبولا بشروطها او شروط الصناديق الدولية والمنظمات الاجنبية.

(0) تعليقات

المغرب: أزمة حرية التعبير بين قيود السلطة و جرأة الصحفيين.

أحمد سالم أعمر حداد
كاتب صحفي وباحث في العلاقات الدولية من المغرب
P_programming@yahoo.com
المغرب

يثير حراك المغرب السياسي نحو تعزيز الحريات العامة والاخلاق الديموقراطية المزيد من المشاعر والانطباعات الايجابية داخل الاوساط الحقوقية و الشعبية ، محليا ودوليا . لكنه وبنفس القدر أو اكثر يبرز في شكل ازمة حقيقية ، و يبعث مشاعر التشكيك والارتياب ، داخل نفس الاوساط المذكورة.

تطور ايجابي ، ومساعي حميدة ان تعبر الدولة رسميا ، انطلاقا من المؤسسة الملكية وعبر التصريحات الحكومية ، عن رغبة حقيقية في تجاوز عتمة الماضي و المصالحة مع الذات ، واستشراف مستقبل أفضل حيث المزيد من الحريات ، والممارسات الديموقراطية.

وقد ترجمت هذه المساعي عمليا ، في صدور التقرير النهائي لهيئة الانصاف والمصالحة ، ونجاحها الواضح في اغلاق ملفات جد معقدة من قبيل ملفات المخطوفين ، ونبش المقابر السرية لضحايا سنوات الرصاص ، رغم ما تعرض له عمل اللجنة المذكورة من انتقادات حقوقية من بينها : عجزها عن النيل من المسئولين عن تلك الانتهاكات الجسيمة ، وفشلها في اغلاق ملفات خطيرة من قبيل الملف الشهير المتعلق باختطاف واغتيال المهدي بن بركة. وايجابي جدا ان تجد المؤسسة الملكية حلا وسطا لمطالب الحقوقيين يقارب اعتذار الدولة رسميا من الاشخاص الذين تعرضوا للانتهاكات ، ليقوم الملك محمد السادس اليوم 06-01-2006 بمواساة الاسر ، والاشخاص المنتهكة حقوقهم ، في خطاب رسمي وخاص .

لكن ، كل هذا الحراك يأتي ضمن اجواء استمرار محاكمات الصحفيين وادانتهم بتهم نمطية بحجة تجاوز الخطوط الحمراء ، وهو مصطلح عام جدا يسمح للدولة بمضايقة حرية التعبير في اية لحظة ، أو محاكمة الصحفيين والزج بهم في السجون، وتغريمهم ماديا.

اخر القضايا التي أفرزتها طبيعة المنافسة الحيوية المحتدمة بين قيود السلطة ، وخطوطها الحمراء الهلامية ، والصحافة المستقلة الجريئة ، تأكيد الحكم الصادر في حق اسبوعية تيل كيل الصادرة باللغة الفرنسية ، ضمن ما عرف بقضية البرلمانية حليمة العسالي ، حيث تمت مؤاخذة الصحيفة المذكورة بتهمة القذف والتشهير ، و ادانتها بحبس موقوف التنفيذ ، وغرامة مالية باهضة تقارب مبلغ 100000 دولار . والغريب ان يعاد ازعاج صحيفة تيل كيل ، ضمن محاكمة اخرى لا تختلف عن الاولى ، وهذه المرة بتهمة التشهير برئيسة جمعية خيرية نشرت الصحيفة المذكورة اخبارا تفيد استدعاء هذه السيدة من طرف السلطات الامنية للتحقيق معها في قضية تحويلات مالية غير مشروعة ، طالت أموال عامة ، ومرة أخرى تقضي المحكمة بتغريم مدير الاسبوعية غرامة قاسية قدرت هي الاخرىبمبلغ 100000 الف دولار .

وتستمر هذه المحاكمات ، حيث من المنتظر ان يمثل الصحفي نور الدين مفتاح مدير الاسبوعية المستقلة الايام ، والصحفية مرية مكريم عن نفس الاسبوعية بتاريخ 23-01-2006 أمام محكمة الدار البيضاء بتهمة الاساءة الى المؤسسة الملكية ، وتهديد الامن العام ، على خلفية نشرها تحقيقا يتحدث عن اسرار الحريم في القصور المغربية بين ثلاث ملوك : محمد الخامس ، الحسن الثاني ومحمد السادس . بينما تلوح في الافق محاكمة أخرى ، وبنفس الملابسات للصحفي ادريس شحتان ، مدير اسبوعية المشعل على خلفية نشره صورا للاميرات من العائلة الملكية المغربية دون ترخيص من القصر الملكي .

تؤشر هذه المتابعات المتكررة للصحافة والصحفيين ، الى أزمة خطيرة يعاني منها خطاب الاصلاح ، والمصالحة الذي تعبر عنه الدولة باستمرار من جهة ، ويعبر من ناحية أخرى عن واقع تواجد صحافة مستقلة جريئة تروم يالاساس تحطيم الحواجز النفسية ، وتحدي قيود السلطة ، نحو تناول أفضل للشأن المغربي بشكل عام .

خلاصة القول ، ان الدولة مترددة ، وهي بذلك تفقد اجواء المصالحة ، والاصلاحات الديموقراطية بريقها الاساسي . بينما الصحافة بالمستقلة بالمغرب تعبر عن ذكاء معين ، وتحاول ان تستفيد من المعطيات المحلية والدولية ، وقد نجحت الى حد بعيد في اعمال معادلتها ، والقياس الوحيد البارز لهذا النجاح ، هو طبيعة المواضيع التي اصبحت متاحة للتداول الشعبي بالمغرب ، بفعل جرأة الصحافة المغربية المستقلة .

أعتقد شخصيا ان حل هذه الازمة ، بيد الدولة المغربية ، وكافة اجهزتها الرسمية ، وذلك بان تقتنع بأن قرار المضي نحو اجواء ديموقراطية ، لا يحتمل التراجع الى الوراء ، أو الاحتفاظ بالخطوط الحمراء ، لأن ذلك وبكل يقينية ، سوف يفضي الى الاستخدام الخارجي للصراع بين السلطة والصحافة المستقلة ، والبتالي جلب المزيد من الضغوط الدولية . ذلك ان الصحافة والحق في الاعلام هو الاداة الرئيسة للاصلاح والمصالحة ، والضمان الحقيقي للعبور والاستمرار الديموقراطي .

أحمد سالم أعمر حداد
كاتب صحفي وباحث في العلاقات الدولية من المغرب
P_programming@yahoo.com
المغرب



(2) تعليقات

الإستراتيجية الأمريكية في منطقة المغرب العربي.

 

 

بدأت هذه الاستراتيجية بشكل واضح عام 1998، حيث اقترحت الولايات المتحدة الأمريكية مشروع شراكة الدول المغاربية الثلاث تونس، الجزائر والمغرب، أو ما عرف بمبادرة "ازيستات" والتي تتمحور أساسا في تحرير التجارة أو تطوير القطاع الخاص والإصلاحات الهيكلية للإقتصاديات المغاربية وتطوير الاستثمارات. إلا أن هذا المشروع فشل وعجز عن تحقيق مبتغاه في خلق ما يشبه منطقة تبادل حر بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول المنطقة، وذلك لعدة اعتبارات سياسية واقتصادية أهمها التوتر السائد في العلاقات المغربية الجزائرية بسبب قضية الصحراء وعزل كل من ليبيا وموريتانيا عن المشروع، والتفاوت الاقتصادي القائم بين البلدان المغاربية والذي أدى إلى تباين استراتيجيات الدول الثلاث إزاء الشراكة، لكن هذا الفشل لم يؤدي إلى إلغاء الفكرة من أساسها، حيث تم تحويل برامجها الجزئية إلى وكالات أمريكية متخصصة، واستمرار تخصيص ميزانية سنوية لها، مثلا سنة 2003 خصصت 4 مليون دولار لكل دولة من الدول الثلاث هدفا خاصا، ويشرف على تنفيذ الميزانية كل من وكالة التنمية الأمريكية والبنك الأمريكي الخاص بتشجيع التصدير،[1][1]وعوضا عن المبادرة برزت مقاربة ثنائية تعتمد سياسة خاصة إزاء كل دولة، ففي الوقت الذي طرح فيه تنمية الإطار الاتفاقي الاستثماري مع كل من تونس والجزائر، ثم تخصيص المغرب بمشروع اتفاقية التبادل الحر، أما الجانب السياسي فتمثل في زيارة وزير الخارجية السابق كولن باول إلى الدول الثلاث سعيا منه لحل الصراع القائم في قضية الصحراء، وأيضا عبر تأييده للمفاوضات بين الأطراف لتسوية النزاع مؤكدا في الوقت نفسه دعم الولايات المتحدة لخطة بيكر.[2][2]وتأتي هذه الخطوات في إطار المحاولات الأمريكية للتقرب إلى الدول المغاربية ومنافسة الدول الأوربية، خاصة فرنسا التي اعتبرت أي خطوة أمريكية تجاه المنطقة هي انتقاص من العلاقة المتميزة التي تربطها مع الدول المغاربية، ولعل هذا ما كان يقصده مسؤول فرنسي عندما صرح في الرباط أن الشراكة مع الولايات المتحدة تتناقض مع الشراكة المغربية الأوربية.

أيا كان الأمر، فالأكيد أن الإهتمام الأمريكي بدول المنطقة يفيد بشكل ما أن واشنطن لم تعد تقبل التقسيم الكلاسيكي لمناطق النفوذ الذي بمقتضاه تعتبر منطقة المغرب العربي منطقة نفوذ فرنسية، فشرعت تخصها بمكان بارز في أولوياتها خصوصا بعد أحداث 11 شتنبر، فكثفت التعاون معها، فإلى جانب المناورات المشتركة إلى تجريها القوات الأمريكية دوريا مع جيوش كل من تونس، المغرب وموريتانيا، عرضت الولايات المتحدة على الجزائر و تونس وموريتانيا حضور قمة حلف الناتو في أنقرة ومنحها صفة الشريك المرشح للانضمام، وربما لهذا السبب بدأت أوربا تنظر حذرة إلى التقارب المغاربي الأمريكي الذي أخذ صيغا برجماتية غير مسبوقة، تمثلت في التفكير في إقامة قواعد عسكرية في كل من المغرب وتونس والجزائر تكون أداتها للتدخل السريع في القارة الإفريقية في إطار الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بالحرب الاستباقية  ومحاربة الإرهاب. وتفيد أوساط سياسية في أمريكا أن التعاون الأمني والإستخباراتي بين تونس والجزائر والمغرب مع أمريكا، قد شهد تقدما ملحوظا بعد سقوط بغداد، حيث انتشر ضباط من الدول الثلاث في العراق وتحديدا على الحدود السورية وفي المناطق المحيطة بالفلوجة والرمادي لمساعدة القوات الأمريكية في معرفة المتطوعين العرب الذين انظموا إلى المقاومة العراقية.[3][3]

ولقد عملت الولايات المتحدة على مجموعة من المعطيات في إطار رهانها على  منافسة أوربا على المنطقة المغاربية:

1- طغيان الهاجس الأمني على العلاقات الأوربية المغاربية المبني حول المخاطر الثلاث المتمثلة في الهجرة، الإسلام السياسي، والمخدرات، الأمر الذي أدى إلى أن تسود ضفتي المتوسط حالات من الشد والتوتر إلى درجة تصبح فيها اتفاقية الشراكة مجرد نصوص ميتة، مما أدى إلى تزايد مصادر الاختناقات الخارجية للاقتصاديات المغاربية التي تتوجه للبحث عن مخرج ينتشلها من أوضاعها المتردية، وهذا ما حاولت تقديمه الشراكة المغاربية الأمريكية.

2-     تناقضات السياسة الأوربية المتوسطية ليس نتيجة مخلفات التحولات الدولية، وإنما لتعدد مراكز القوى الأوربية، الأمر الذي أدى إلى عرقلة إمكانية ترسيخ الفضاء الاقتصادي الأوروبي الواسع.

3-     تأرجح قوى الفعل الرئيسية الأوربية في علاقاتها المغاربية، لاسيما العلاقات الجزائرية المغربية التي رمت بثقلها على الوزن السياسي الغربي الذي تحتله فرنسا في شمال إفريقيا، فالخلاف الجزائري المغربي في إطاره السياسي قد أحرج كثيرا باريس، حيث أن أي خطوة تخطوها فرنسا تجاه دولة تحسبها الأخرى خطوة ضدها.

4-     كما أن الورقة المهمة التي استطاعت واشنطن التحكم في كل زواياها هي ظاهرة عدم الاستقرار السياسي الأمني والصراعات العنيفة بين مختلف القوى السياسية، وخصوصا التيارات الإسلامية التي ترتبط بعلاقات غامضة مع الولايات المتحدة، ناهيك عن التدهور في الأوضاع الاقتصادية وتفاقم المديونية.[4][4]

  ويبقى الهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو المصلحة الوطنية، ذلك أن ترك المجال للاتحاد الأوربي يبقى من الخطر بمكان،[5][5]وإن كان هناك من يناقض هذا الطرح الذي يعتبر من خلال تتبع العديد من الكتابات الأكاديمية والإعلامية في الولايات المتحدة ومن خلال بعض التجارب الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة، أن السياسة الخارجية الأمريكية في المغرب العربي كانت في أغلب فتراتها مناقضة للفلسفة البرغماتية التي يتميز بها المجتمع الأمريكي وهو الاشكال الناتج عن "مغالطات وأوهام" حاولت بعض جماعات الضغط مثل اللوبي الصهيوني المدافع عن المصالح المغربية في الكونغرس تكريسها كحقيقة ثابتة، حيث أن السياسة الأمريكية في إفريقيا والقائمة على أساس الدولة المحورية مثل الجزائر، نجيريا، وجنوب إفريقيا بدأت تحيد عن المؤشرات التقليدية للسياسات الخارجية الأمريكية في المنطقة،[6][6]بل يذهب البعض إلى اعتبار الشراكة الأمريكية المغاربية تنعكس سلبا على الأمن القومي العربي من خلال عمل الولايات المتحدة على تحقيق خطوات متقدمة اتجاه المغرب العربي الذي يحتل موقعا حساسا في علاقاته المتوسطية وعمقه الإفريقي وانتمائه العربي الإسلامي، إضافة إلى ثرواته البترولية والمعدنية الهائلة وكونه سوقا استهلاكية لا يمكن تعويضها مقارنة بالدول الإفريقية الأخرى، حيث سعت إلى تهيئة المنطقة من خلال حل أزمة لوكربي حتى لا تشكل عقبة أمام مسارات التسوية والانتقال إلى الانشغال بالهموم الإفريقية وإبعادها عن المسار القومي ونظامه المتمثل في جامعة الدول العربية، كما قدمت واشنطن "نصائحها" إلى موريتانيا لإقامة علاقات مع إسرائيل والعمل على إعادة بناء الهيكلة الاقتصادية والسياسية والعسكرية من خلال المساعدات الأمريكية والمبالغ التي تحصل عليها موريتانيا جراء تخصيص مساحات واسعة من الصحراء لدفن النفايات النووية الإسرائيلية والأمريكية، والإقدام على الإستغناء على خمسين مستشارا فرنسيا من الذين يعملون في موريتانيا بغية إفساح المجال للمستشارين الإسرائيليين للحلول محلهم. [7][7]

لذلك فإن اهتمام واشنطن بمنطقة المغرب العربي بهذه الدرجة الماراتونية مع أوربا يجذب المنطقة إلى بؤرة صراع وتهاطل للمبادرات،[8][8]ولذلك بعد كل ذلك يبقى التساؤل ما العمل؟ إن الجواب على ذلك يتطلب العمل على مستويين:

1-    المستوى القطري الوطني: ليس هناك من حل غير المقوم الديمقراطي والمشاركة السياسية الفعالة والتداول السلمي للسلطة.

2-    على المستوى القومي: التمسك بجامعة الدول العربية وتفعيل العمل العربي المشترك والركون إلى ميثاق شرف عربي شامل للأمن والتعاون، وطي صفحة الماضي بكل سلبياتها، ونبذ الخلافات الثانوية والشخصية التي عطلت من رد فعل عربي إيجابي لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية والأخطار والحد من تأثيرات التحولات والتطورات الدولية السلبية التي لا يمكن الاستعداد لها إن لم يستطع العرب حل مشاكلهم مع الآخرين وتفعيل ما هو إيجابي بالشكل الذي يضع مسار التكامل في مساره الصحيح بحيث لا يجعل المنطقة العربية منعزلة عن التطور الحضاري للبشرية، وذلك بتفعيل التكامل الاقتصادي الذي يشكل ضعفه أهم عوائق التكامل العربي.[9][9]

إن التعاون العربي يعرف العديد من المعوقات التي تحد من فعاليته وتطويره، وإذا كان ضعف التعاون الاقتصادي من أهم العوائق، فالأكيد أن هناك أسباب أخرى مرتبطة بطبيعة المنطقة العربية والمتغيرات الدولية، وهو ما سوف نتطرق له بالتفصيل في القسم الثاني من هذا البحث في محاولة لوضع الأصبع على مكامن الداء للخروج بمقترحات ربما تفيد في عملية الإصلاح.



[10][9]- الجاسور ناظم: مرجع سابق ص: 464.



[1][1]- جميل بن منصور، محمد: "المغرب العربي ولعبة شد الحبل بين واشنطن وباريس" مقال على الجزيرة.www.aljazeera.net                  

 

[2][2]- اللاوندي،سعيد: "ماراتون" أوربي أمريكي على النفوذ في المغرب العربي"، السياسة الدولية العدد 156، أبريل 2004 ص: 34.

[3][3]- الجسور ناظم: "الشراكة المغاربية الأمريكية:  آفاق العلاقات المستقبلية"، الجامعة الأردنية، عمان، 2001، ص: 458 و 459.

[4][4]- الرباحي أمينة: "التكتلات الاقتصادية الكبرى في النظام الدولي الجديد دراسة مقارنة بين الاتحاد الأوروبي والنافتة" رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة 1999 ص: 274.

[5][5]- جاءت المقالة مليئة بالمغالطات مثل اعتبار أنه لا يمكن من الناحية القانونية التفريق بين غزو العراق للكويت في 1990 و"غزو" المغرب للصحراء في 1975، بل أن مطالب العراق على الكويت قد تكون أقوى من مطالب المغرب على الصحراء"!! ص: 136.

[6][6]- بوقارة حسن: "السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة  المغرب العربي مع التركيز على النزاع في الصحراء الغربية" المجلة الجزائرية للعلوم السيسة والإعلامية عدد 2 (2002-2003) ص: 137-138.

[7][7]- الجاسور ناظم: مرجع سابق ص: 463.

[8][8]- الأوندي سعد، مرجع سابق ص: 37.

 

 

.

(1) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية