في الحقيقة، كان الخلاف بين الطرفين كاشفا عنا بقدر ما كان كاشفا عن الخلاف الأصلي حول الرسوم الدنماركية، وما يهمني هنا هو كشف ما انكشف عنا لعل فيه صلاحا وعبرة. فقد كان مثيرا للغاية ذلك السؤال الاستنكاري الذي طرحه شيخنا القرضاوي عمن يمثل الأستاذ عمرو خالد وكيف أنه لا يعبر عن جماعة العلماء ولا عن جماعة المسلمين. الكشف هنا هو عن موضوع «التمثيل» فكلما ذهب عربي أو مسلم إلى بلاد الغرب، أو بلاد العالم الأخرى في غير دار الإسلام، معبرا عن رأي في ندوة أو مؤتمر، ساعيا إلى حوار أو إلى تفاهم أو شرح لموقف أو فكر أو سلوك لدينا، يقفز فورا جمع معارض طارحا ذلك السؤال عمن يمثل، ومن الذي فوضه للقيام بالمهمة وكأنه لا يستطيع فرد أو جماعة قول ما يقولون إلا إذا جرت انتخابات عامة، أو بيعة ثقة، في كل البلاد الإسلامية من إندونيسيا إلى المغرب تعطيه الحق في القيام بالمهمة. مثل هذا الحق لا يوجد مثيل له بين الأمم والشعوب الأخرى. وفي الدولة الإسلامية الأولى خرج الرعاة والتجار والرحالة من كل نوع ومن كل طائفة ينشرون الفكر مع كلمة الله لشعوب وقبائل وجماعات كان منهم من آمن ومنهم من بقي على إيمانه الآخر؛ وساعتها لم يطلب منهم أحد وثائق للتمثيل كتلك التي يقدمها السفراء المعتمدون قبل قيامهم بالمهام الدبلوماسية. ولا كان ذلك موجودا لدى الشعوب المستقبلة للرسل والجماعات التي تحمل الرسالة، وكان مفهوما دوما أن هؤلاء لا يمثلون أحدا إلا أنفسهم حسب ما يتمتعون به من صدق وسلامة مقصد وإخلاص للحق والحقيقة. ومن المؤكد ـ كما سبق في التاريخ أنه عند وصول الأستاذ عمرو خالد إلى كوبنهاغن مع من شاركه فكره من العلماء ـ أنه لن يوجد في العاصمة الدنماركية وفي دول الجماعة الأوروبية أو الغرب كله من سوف يعتقد أن الرجل ومن معه يمثلون الأمة الإسلامية كلها بما فيها من اختلافات وتنوعات؛ وأنهم يتصرفون مثل جماعات غربية كثيرة من المبشرين بالأفكار، والواصلين غير المفرقين بين الناس. الكشف الثاني جاء من تقدير قيمة «الغضب» الذي ميعه وبعثره وأطفأ حماسته وفرقه أشتاتا زيارة قام بها شاب داعية ومعه طائفة من الدعاة تداعوا لإطفاء حريق قبل أن يمتد من حرق السفارات الدنماركية إلى حرق السفارات العربية والإسلامية، ومقاطعة البضائع الدنماركية والغربية إلى مقاطعة القليل من البضائع العربية والإمدادات للدول العربية والإسلامية من أول الدواء حتى طائرات نقل الحجاج. هذا الغضب يعكس الفارق الهائل وغير المعروف لدى جماعة منا بين «تسجيل المواقف» و«السياسة» و«الرسالة»؛ ويكاد تسجيل المواقف يتخطاها جميعا في كل الاختبارات التي تأتي إلينا من أول القضية الفلسطينية وحتى الرسوم الدنماركية. فالقضية لا تصير كيف تكسب المعركة، ولا كيف تحرر أرضا، ولا كيف تزيد من حلفائك، ولا كيف تحسن وضعك، وإنما المسألة هي كيف تسجل المواقف زاعقا حانقا بغضب يمتد تدريجيا من المظاهرات السلمية حتى يصل إلى الحرق والعنف مهما كانت احتجاجات وتحفظات الدكتور يوسف القرضاوى. هذا يختلف تماما عن «السياسة» التي تسعى لتغيير المواقف المسيئة لدى الأطراف الأخرى، ليس من خلال صراع الحضارات، أو التجهيز للعمليات الانتحارية/ الاستشهادية بالحديث عن افتداء رسول الله ـ صلعم ـ بالروح، وإنما افتداء النبي العظيم بالعقل حيث يستخدم القانون والحوار والدبلوماسية والضغوط الآخذة توازنات القوى في الاعتبار لوضع الحادثة في مكانها الصحيح حين تعبر عن حالة فردية نابعة من جماعة مأفونة. وهذا ـ أخيرا ـ يختلف تماما عن الرسالة، ولو فكرنا ماذا كان سيفعل رسول الله من تبشير وبشارة لو وقعت له حادثة مثل هذه من واحد في الدنمارك يعلم أنه مثل غيره من أهل الأرض من موضوعات الهداية والدعوة ووضع الاختيار والاختبار بين البشر والسفهاء؟. وكان ذلك ما فعله تحديدا عمرو خالد وجماعته، معبرا عن نفسه، وعن اعتقاده وفهمه الصحيح للملة التي لا تفوض أحدا للحديث باسمها وإنما أعطت الجميع الحق في الاجتهاد فكرا وممارسة. ولكن فكرة «الغضب» تذهب لأبعد بكثير من مجرد تسجيل المواقف في الحادثة الدنماركية، كما أنها أعمق بكثير من حتى الذين عبروا عنها بمناسبة زيارة داعية شاب لبلد فسد فيه سفيه، وإنما تبدو سلوكا سياسيا مفضلا لدى جماعات كثيرة إسلامية وقومية وراديكالية في العموم. ويرى عدد غير قليل من المفكرين العرب والمسلمين أن الغضب والتعبير عنه هو واحد من الفضائل المعبرة عن صحة الأمة وعافيتها بل وإعادة الاعتبار للنخوة فيها. ويعد ذلك حالة عربية خالصة. فسواء كان الأمر يخص علم النفس العام أو علم النفس السياسي، فإن الغضب ليس حالة صحية على إطلاقها، كما أنه يشوش السلوك في السياسة والممارسة الاجتماعية، وكثيرا ما تستبعد المسؤولية عن الطلاق أو القتل إذا ما اختلط الغضب بنوع من غياب العقل. ولكن دون الوصول إلى هذه الدرجة فإن هناك جزما بأن الغضب لا يساعد على الحكم السليم، ولا تزيد قيمته عن التنفيس لفترة زمنية بعدها يعود الإنسان منهكا إلى النقطة الأولى التي كان عندها من دون أن يتحرك خطوة واحدة في القضية التي غضب بشأنها. وفي بعض الأحيان، فإنه يصل إلى نقطة أسوأ، وفي بداية القصة الدنماركية كان لدينا حدث فاسد واحد في دولة صغيرة، ولكن بعد شهور من الواقعة وبتأثير من الغضب وتسجيل المواقف كان الحدث الفاسد يغرق الدنيا كلها شرقا وغربا، وبدلا من تحسين صورة الإسلام إذا بها تنتهي إلى صورة أسوأ كما كشفت عن ذلك استطلاعات للرأي جرت أخيرا في الولايات المتحدة، كشفت عن أن 46% من الأمريكيين لديهم صورة سلبية عن الإسلام ـ وهي نسبة أعلى بسبع نقاط عما كان عليه الوضع في أعقاب الهجوم الإرهابي على مركز التجارة العالمية، بينما 43% لديهم صور إيجابية عنه. وارتفعت نسبة من يعتقدون أن الإسلام دين يحرض على العنف من 14% عام 2002 إلى 33% الآن، فهل يكون الغضب نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أم خذلانا له؟
اعجبتني هذه المقالة للاستاذ
الجمعة, 10 فبراير, 2006
عبد المنعم سعيد
جرية الشرق الاوسط
الاربعـاء 14 صفـر 1427 هـ 15 مارس 2006 العدد 9969
قضية الحوار مع الدنمارك والآخر: عمرو وثمن الغضب
تابعت مثل غيري ما حدث في كوبنهاغن من رسم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لي رأي عبرت عنه في حينه مستنكرا ما جرى، وداعيا لكي يكون الحدث مناسبة لنصرة رسول الله اعتمادا على العقل وبناء الجسور ونشر الكلمة والموعظة الحسنة، في عالم يقوم على صراع الأفكار، وتوافق القيم، ومنافسة القدرات، بقدر ما يقوم على الصراع والصدام. ولكن ما أراه ليس مهما كثيرا، ولكن ما له صلة بالقضية هو ذلك النقاش والحوار واللوم والعتاب الذي تم بين الأستاذ عمرو خالد وجماعته والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ومن والاه، حول زيارة الأول إلى الدنمارك وعقده مؤتمرا يشرح فيه للدنماركيين من هو نبينا الكريم؛ والموقف الذي اتخذه الثاني من أن ذلك يفرق بين المسلمين ويضعف غضبهم الذي وحدهم وجعلهم يقفون وقفة رجل واحد أمام الإسفاف الدنماركي الغربي.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية















من المغرب
gooooooogd hanane vry good